الحمد لله، صاحب القوة والإرادة، هو الملك المنتصر، الذي خلق كل شيء ووضع القوانين، وهو الذي نعبده، وهو الذي يمنحنا الأجر ويكافئنا على جهودنا. ومن بين الذين يعصونه، يُعاقب بعضهم ويُغفر لبعضهم الآخر.
أشهد أنه لا إله إلا الله، الواحد، الذي لا شبيه له، وأن محمدًا هو عبده ورسوله، سيد الزاهدين وإمام من سبقوه ومن تبعه ﷺ.
أيها المؤمنون، اتقوا الله واعلموا أن الدنيا هي دار البلاء، وأن الآخرة هي دار السكينة.
اعلموا أن مرحلة التخلص من التعلق هي مرحلة الصالحين والعارفين، أولئك الذين، بعد دراسة وفهم طبيعة الدنيا، أدركوا تقلباتها وعلموا أنها ليست دائمة.
قال النبي ﷺ: «أفضلكم هو الذي ينأى بنفسه عن الدنيا ويتوق إلى الآخرة». وقال أيضًا: «أفضل ما يُعبد الله به هو الانفصال عن الدنيا». ونبينا ﷺ هو أفضل قدوة نقتدي بها، لأنه ابتعد عن الدنيا.
إنه أفضل قدوة يُحتذى بها في التخلص من التعلق الدنيوي، وهو أكثر من عرف عن الدنيا والآخرة، وكان يقول: «التنافس على المزيد يشغلكم»، ثم يقول: «هل يقول ابن آدم: “ثروتي! ثروتي!”». وقال: «يا ابن آدم، ما بقي لك من ثروتك إلا ما أكلته وأفدته، وما لبسته وأهدرته، أو ما أعطيته صدقة».
قال الإمام اليونيد: «لقد سحب الله الدنيا عن أولياءه واستأصلها من قلوب من يحبونه، لأنه لم يرضَ بها لهم». وقال: «الزهد هو إفراغ القلب مما ليس في يديك». قال عبد الله بن المبارك: «الزهد هو التوكل على الله مع تفضيل الفقر». إن التخلي عما يملكه الآخرون يحافظ على كرامة الإنسان، ويقوي ثقته بنفسه، ويحفظ مظهره. قال النبي ﷺ: «تخلَّ عن الدنيا فيحبك الله. تخلَّ عما تجده في أيدي الناس، فيحبك الناس». قال الله عز وجل: «ولا توجه نظرك إلى الملذات التي أعطيناها لبعضهم كزهرة الحياة الدنيا لنتهمهم. ورزق ربك خير وأديم» (سورة ط، ها، 131).
أيها المسلمون، الزهد لا يعني التخلي عن الدنيا والامتناع عن العمل. فالتخلي عن العمل أمر مستهجن، لأنه يزيد من انتشار البطالة ويؤدي إلى انعدام الحماس للعمل. سُئل الإمام أحمد: «هل يمكن للإنسان أن يمتلك المال ويكون زاهدًا؟». فقال: «نعم، إذا لم يفرح بزيادته، ولا يحزن بانخفاضه». وقال الحسن البصري: «الزهد لا يعني تبديد المال، أو تحريم ما هو مباح». وهذا يعني السعي وراء الوسائل المباحة. ينظر أهل الزهد إلى هذه الدنيا على أنها جسر نحو السعادة الأبدية في الآخرة. يقول الله تعالى: «ما عندكم سيزول وما عند الله يبقى».
هناك أنواع عديدة من الزهد:
— الامتناع عن المحظورات واجب فردي.
— الامتناع عن المشكوك فيه. فإذا كان الشك قويًّا، يصبح الامتناع واجبًا، وإذا كان ضعيفًا، يصبح مستحسًّا. في الحديث: «الحلال واضح، والحرام واضح، وبينهما أمور مشكوك فيها… حتى قال: من وقع في المشكوك فيه، فقد وقع في الحرام».
— ثم هناك انعزال في الكلام، وفي النظرة، وفي التفاعل المفرط الذي لا فائدة منه، والأصعب من ذلك هو الزهد في شهوات النفس.
يا عباده! من الأمور التي تزيد من التخلص من التعلق بالدنيا زيارة المقابر والمرضى والسجون. قال النبي محمد ﷺ: «(…) زوروا القبور، فإنها تبعث على الزهد في الدنيا وتذكركم بالآخرة».
يا عباد الله! لا يمكن بلوغ مرحلة الزهد إلا لمن تخلّى عن حب الدنيا. لأن حب الثروة يشتت انتباهك عن الآخرة وعن أداء واجباتك، كما يشتت انتباهك عن التفكير في الآخرة وفي الحساب الذي ينتظرك. قال الله عز وجل: «واعلموا أن أموالكم وأولادكم هي محنة، وأن عند الله أجراً عظيماً» (سورة الأنفال، الآية 28). وفي هذا الصدد، قال ابن عتائله: «خيرٌ أن تمتلك القليل الذي يكفيك، من أن تمتلك الكثير الذي يثقل كاهلك».
أيها المؤمنون! إن الزهد في الدنيا يسهل الحساب أمام الله، فلا تحملوا على أنفسكم شيئًا يكون عبئًا عليكم يوم القيامة. فمن امتلك ثروة كبيرة، فسيكون حسابه طويلاً. الدنيا ظل عابر وسراب يبتعد. فثروته تتحول إلى فقر، وفرحه يتحول إلى حزن. هذه هي المحطة السادسة من محطات اليقين. ومن يتحلى بالتقوى، والأمل، والصبر، والشكر، والتوبة، والزهد، فهو على الطريق المؤدي إلى اليقين. اللهم، لا تجعل الدنيا شغلنا الشاغل، ولا غاية رغبتنا، ولا تجعل مصيرنا النار. اللهم، امنحنا الرزق، والطهر، والتخلي عن السمعة عند الناس، واجعلنا من أهل الزهد. أغدق علينا بالhalal، وبطاعةك، وبنعمتك، وارحم المظلومين، واهزم الظالمين. آمين.
Español

