الحمد لله، الذي أنقذنا من كل ما يؤدي إلى الهلاك، وأرشدنا إلى طريق الخلاص، وأطلعنا على الأعمال التي تكفر عن الذنوب وتمحو السيئات.
أشهد أن لا إله إلا الله، الواحد، لا شريك له. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﷺ.
أيها المؤمنون، رجالاً ونساءً، اتقوا الله عز وجل وتمسكوا بالقرآن والسنة النبوية، ﷺ، لعلّكم تنجحون.
نواصل التأمل في حديث رسول الله ﷺ، وقد وصلنا إلى الجزء من كلامه الذي يقول فيه: «ثلاث درجات». وهذه الدرجات هي: إطعام الجائع، ونشر السلام، والصلاة في الليل بينما الناس نائمون. هذه هي الدرجات التي يصعد بها القلب إلى العليم بالغيب، والسلالم التي ترتقي بها الروح إلى حضرة القدوس.
أولها هو نشر تحية السلام، في السر والعلن. فهي مفتاح المودة ونور الوئام. ومن خلال السلام، يسود السلام، وتنتشر المودة والرحمة بين الناس. وعند نشرها، يتبدد ضباب الشقاق والكراهية، ويختفي التمييز بين الناس. يقول الله عز وجل: «وإذا حييتُم فحيوا بحية أفضل منها أو ردّوها؛ إن الله يحسب كل شيء» (القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 86).
وعند نشر السلام، تزدهر التواضع بين الناس. قال ابن عطا الله الإسكندري: «التواضع يرفع، والكبر يحط». ومن يبخل في نشر السلام، فسيكون أكثر بخلاً في أمور أخرى. السلام هو تحية أهل الجنة، كما يقول الله عز وجل: «وهناك تكون دعواتهم: “سبحانك يا الله”، وتحيةهم: “السلام”» (القرآن، سورة يونس، 10). ويقول أيضًا: «وَتَأْتِيهم الملائكة من كل باب: «السلام عليكم بما صبرتم! ما أحسن مثوى الخير»» (القرآن، سورة الرعد، 23-24).
لذلك، فإن إهماله عمدًا هو إهمال لسنة رسول الله ﷺ، وعدم الرد عليه هو إهمال لواجب من الواجبات تجاه الله. قال النبي ﷺ: «لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحبوا بعضكم بعضاً. هل تريدون أن أرشدكم إلى شيء، إن فعلتموه، ستحبون بعضكم بعضًا؟ فأنشروا السلام بينكم» [رواه مسلم]. والرد على السلام واجب وحق لكل مسلم.
المستوى الثاني هو إطعام الجياع، وهو من صفات الصالحين. يقول الله تعالى: «وكانوا يطعمون، رغم حبهم لذلك، الفقير واليتيم والأسير: «ما نطعمكم إلا رغبة في وجه الله؛ ولا نريد منكم أجرًا ولا شكرًا» (القرآن، سورة الإنسان، 8-9).
قال النبي ﷺ: «خيركم من أطعم الجائع وأجاب السلام» [رواه أحمد]. وعندما سُئل النبي ﷺ: «ما هو الإسلام؟»، أجاب: «القول الطيب وإطعام الجائع».
وفي حديث آخر: «أحب الناس إلى الله هو أكثرهم نفعا للآخرين؛ وأحب الأعمال إلى الله هي إسعاد مسلم، أو تخفيف إحدى مصائبه، أو سداد دينه، أو إطعام جائع» [رواه الطبراني].
من يفضل الآخرين على نفسه يبلغ مرتبة «الإيثار»، وهي مرتبة المهاجرين والأنصار. ويصفهم الله عز وجل بقوله: «… ويُفضّلونهم على أنفسهم، ولو كانوا في شدة الحاجة» (القرآن الكريم، سورة الحشر، الآية 9).
الدرجة الثالثة والأخيرة هي صلاة الليل (القيام) بينما الناس نائمون. إنها خلوة أولئك الذين يتوجهون إليه، وممارسة الصالحين، وحوار المتلهف معه. ومن خلالها يتحقق القرب من الله وتزول الحجابات.
لا يمارسها أحد سوى أولئك الذين يتركون فراشهم الدافئ والمريح، ولا يقف أمام الله عز وجل في ظلام الليل إلا الصامدون، العازمون، الصابرون، الرحيمون، الذين مدحهم ربهم بقوله: «يستيقظون من فراشهم يدعون ربهم خوفًا وشوقًا، ويؤتون من الرزق الذي رزقناهم» (القرآن الكريم، سورة السجود، الآية 16).
هم أولئك الذين تذوقوا حلاوة الإيمان في قلوبهم، ووجدوا أن متعة الوقوف أمام الله تفوق بكثير متعة النوم. أما أولئك الذين يفضلون متعة الراحة على متعة الصلاة الليلية، فكم هم بعيدون عن حلاوة الإيمان والفضيلة!
قال النبي ﷺ: «تمسكوا بالصلاة الليلية. فإنها من عادة الصالحين الذين سبقوكم. إنها تقربكم من ربكم، وتمنعكم من المعاصي، وتمحو ذنوبكم». قال ابن عطا الله: «كلما طالت الخلوة بالله، كلما طالت حلاوتها».
هذه هي الدرجات الثلاث: من يرتقي بها يرتفع، ومن يهملها يسقط. سلموا بفرح، وأطعموا بسخاء، واسهروا في الظلام، لتكونوا من المنتصرين في يوم اللقاء.
اللهم، اجعلنا من أهل المراتب العالية، واهدنا إلى ما يرضيك ويرضيك، واغفر لنا ذنوبنا، وستر عيوبنا، وتقبل توبتنا، وارزقنا من حيث لا ننتظر.
اللهم، بارك في مجتمعنا وأميرنا، واجعلنا أناساً نطبق في هذا المجتمع كل المعرفة التي تتيح لنا الوصول إليها في كل لحظة. آمين.
Español

