الحمد لله، الذي جعل الهجرة مفتاح الراحة، وجعل اليسر يتبع العسر، والصفاء والطمأنينة يتبعان الخوف.
أشهد أن لا إله إلا الله، الواحد لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ، سيد المهاجرين وقائد الرسل، الذي غادر وطنه بحزن شديد وافترق عن أحبائه مضطراً لما اقتضته الظروف. صلى الله عليه وسلم، والسلام والبركات على آله وصحبه أجمعين.
أيها المؤمنون، رجالاً ونساءً! اتقوا الله ولا تموتوا إلا مسلمين. اعلموا أن في هجرة رسول الله ﷺ عبرة لمن كان له قلب أو يستمع إلى أخبارها بانتباه.
قال الله عز وجل: «إن لم تنصروا، فقد نصره الله عندما طرده الكافرون وكان معه آخر. ولما كانا في الكهف قال لرفيقه: لا تحزن، فإن الله معنا. فأنزل الله عليه سكينته، وأنصاره بجيوش لم ترواها، وجعل كلمة الكافرين أضعف؛ فإن كلمة الله هي الأعلى. «إن الله هو القوي الحكيم» (القرآن: سورة التوبة، 40).
أولاً، جسَّد النبي ﷺ المعنى الحقيقي للتوكل على الله، جنبًا إلى جنب مع اتخاذ التدابير اللازمة، لأن التخطيط واتخاذ الاحتياطات ووضع الاستراتيجيات لا يتعارض مع التوكل. فقد خطط النبي ﷺ للهجرة واستعد لها بكل ما أوتي من قوة. واختار مرشدًا خبيرًا، وانطلق ليلاً، وسار في طريق مهجور، واختبأ في الكهف لعدة أيام. وقد نفذ ذلك ونجح فيه بالتوكل.
وهكذا، عندما قال له أبو بكر: «لو نظر أحدهما تحت قدميه، لرآنا». فأجاب: «ماذا تعتقد أن مصير رجلين سيكون إذا كان الله هو الثالث بينهما؟ لا تحزن؛ فحقاً، الله معنا. ماذا تعتقد أن مصير رجلين سيكون إذا كان الله ثالثهما؟».
هذا أمر يجب أن نتعلمه من هجرة رسول الله ﷺ.
قال ابن عطا الله: «إن فقدان الأمل عند ارتكاب الخطأ هو علامة على تمسكك بأعمالك».
المسألة الثانية هي اختيار الرفقاء الصالحين، لأن كل شخص يتأثر بشخصية صديقه المقرب. وقد اختار نبينا ﷺ أبا بكر الصديق (رضي الله عنه) لهذه الرحلة. ومن هنا ورد إلينا القول: «اختر رفيقك قبل أن تبدأ الرحلة». وقد كان، بحق، رفيقاً صالحاً، ومساعداً، ومستشاراً، ومعيلًا.
المسألة الثالثة التي يجب أن نتأمل فيها هي التضحية من أجل الدين، حتى لو تطلب ذلك التضحية بأغلى ما لدى المرء، بما في ذلك الوطن، والثروات، والأبناء، وكل ما يملكه. وقد كانت هذه محنة عظيمة للمهاجرين الذين أعطوا الأولوية للدين واتباع رسول الله فوق كل شيء.
ولذلك، فقد مدحهم الله تعالى في كتابه قائلاً: «للمهاجرين الفقراء، الذين أُجبروا على ترك ديارهم وأموالهم سعياً وراء رضا الله وقبوله، والذين ساعدوا الله ورسوله. أولئك هم الصادقون».
ثم أشاد بكرم الأنصار وكرم ضيافتهم وحسن معاملتهم. وقال: «والذين سبقوهم في السكنى (المدينة) والإيمان، يحبون الذين هاجروا إليهم، ولا يجدون في قلوبهم حاجة إلى ما أُعطي لهم، ويقدمونهم على أنفسهم، حتى لو كانوا في أشد الحاجة. ومن يتحرر من جشعه… أولئك هم الفائزون».
بفضل تضحيات المهاجرين والأنصار، منح الله، سبحانه وتعالى، النصر للدين الحق وحماه من مكائد الماكرين، ومن التشويه والتحريف.
المسألة الرابعة التي يجب أن نتأمل فيها هي الاندماج في أرض الهجرة. نسيان الظلم، والتفاؤل، وبناء وطن، ورابطة الانتماء.
اندمج المهاجرون اندماجًا تامًّا مع الأنصار، ودخلوا أسواقهم وساهموا في التنمية الاقتصادية للمدينة المنورة، وبنائها، وتعزيز الأخوة في الله، القائمة على طاعة الله ورسوله ﷺ. لقد نسوا ديارهم وأراضيهم الأصلية والثروات التي تركوها وراءهم من أجل الحفاظ على عقيدتهم، وقد كافأهم الله على كل ذلك أضعافًا مضاعفة.
قال ابن عطا الله: «من عرف غايته، وجد ما يحدث له سهلاً».
كما نتعلم من هجرة النبي ﷺ أنه لا ينبغي الشروع في أي أمر دون إذن. فلم يغادر النبي ﷺ حتى أذن الله له بذلك، وقد دربه ربه على الصبر وذكّره بما حدث للنبي يونس بن مطا.
قال: «(…) ولا تكن مثل صاحب الحوت (النبي يونس) عندما دعا وهو في أشد حالات العجز»، لأنه انطلق غاضبًا قبل أن يمنحه الله الإذن، فابتليه الله ببلية عظيمة.
يقول الله، سبحانه وتعالى: «وذو النون (يونس)، عندما ذهب غاضبًا دون أن يخطر بباله أننا سنضعه في مأزق. فصاح في الظلام: لا إله إلا أنت، سبحانك. إني كنت من الظالمين».
وينبغي أن يكون هذا الأمر دليلاً للشباب في الأمة: ألا يشرعوا في أي شيء دون إذن، ولا دون نية واضحة في اتباع الصواب، سواء كان ذلك في السفر أو الزواج أو ممارسة الأعمال التجارية، وما إلى ذلك.
قيل: «مصيبة البعض هي مكسب للآخرين»، و«من يطلب النصيحة لن يخيب أمله».
اللهم، امنحنا البركة في هذا العام الهجري المبارك، وامنحنا خيره وبركاته، واجعله عامًا يجلب لنا الرخاء والصحة والرفاهية والسلام والأمان.
اللهم، بارك في جماعتنا وأميرنا، واجعل في قدرنا أن نكون من أولئك الذين يضعون أرواحهم وأموالهم في سبيلك، ويبقون يقظين لحماية النعمة العظيمة التي منحتنا إياها: دين الحق، دين الحق.
آمين.
Español

