الحمد لله، حاكم المملكة ومالك السيادة، الواحد في المجد والقوة. سبحانه، هو الحي الذي لا يموت أبدًا.
أشهد أنه لا إله إلا الله، الواحد، الذي لا شبيه له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وقد أرسله الله رحمة للعالمين وقدوة للبشرية جمعاء.
أيها المسلمون! اتقوا الله، ورجعوا إليه توبة تامة، وخضعوا له، فبهذا يغفر لكم وينقذكم من عذاب أليم.
اعلموا أن التوكل هو درجة من الدين ومحطة من محطات اليقين، وهو طريق الأنبياء والصالحين، ولذا فهو أيضًا من صفات العارفين.
قال الله تعالى: «المؤمنون هم الذين إذا ذُكر الله اهتزت قلوبهم، وإذا تُتلي عليهم آياته زاد إيمانهم، وعليهم يتوكلون». (سورة الغنائم، الآية 2)
قال ابن عيبة: «التوكل هو ثقة القلب بالله، بحيث لا يعتمد على شيء سواه». ووفقًا للسلف: «التوكل هو التوكل على الله في تحقيق الخير ودرء الشر من خلال الوسائل التي أمر بها الله».
لذلك، فإن التوكل لا يتعارض مع مراعاة الوسائل. جوهر التوكل هو استخدام الوسائل كما لو كانت كل شيء، والتوكل على الله كما لو كانت لا شيء. وهذا ما أظهره لنا النبي ﷺ وعلّمنا إياه بشأن التوكل.
قد يعتقد البعض أن التوكل هو الحصول على الرزق دون بذل جهد، أو الشفاء دون تلقي العلاج، أو اكتساب العلم دون السعي إليه، أو الحصاد دون زرع. وهذا فهم خاطئ للتوكل. فالله سبحانه وتعالى هو الذي أمرنا بالتوكل، وهو الذي أمرنا بالجهد. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: «قُلْ: اعْمُلُوا فَإِنَّ اللهَ يَرَى مَا تَعْمَلُونَ، كَذَلِكَ رَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ. وستُردون إلى العليم بالخفي والظاهر الذي سيخبركم بما كنتم تعملون». (سورة التوبة، 105)
لذا، اجتهد وثق، ثق بالله بعد أن تبذل جهدك، ولا تثق لا بجهدك ولا بالكمال المحتمل في أداء مهمتك.
هناك من يبذلون جهدًا قليلًا ويكسبون كثيرًا، وهناك من يبذلون جهدًا كبيرًا ويكسبون القليل. فحسب النية وطبيعة الفعل الصحيحة، تزداد البركة في الرزق. وعلى العكس من ذلك، فإن الخداع والنوايا السيئة تؤدي إلى زوال البركة من الرزق والجهد.
ما هو بيد الله لا يُنال بالعصيان. وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تجعلوا تأخر الرزق سبباً لكم في البحث عنه بمعصية الله، فإن ما هو بيد الله لا يُنال إلا بطاعته».
ويقول الله تعالى: «ومن يتق الله يفتحه طريقًا ويرزقه من حيث لا يحسب». (سورة الطلاق، الآية 2)
هذا وعد من الله عز وجل، والله لا يخلف وعده.
لذلك، يجب أن يسبق الإعطاء التقوى والنية الصادقة.
يجب أن تتحلى بالتقوى في الطريقة التي تكسب بها رزقك، وأن تكون طريقتك في كسبه متوافقة مع أحكام الشريعة. لا تغش أحداً في عملك، ولا تغش أحداً في متجرك. لا تحلف على زبائنك، ولا تغش في الوزن على الميزان، وابتعد عن الربا، لأن الله سبحانه وتعالى قال: «إن الله يبطل الربا، ويضاعف ما يُعطى بكرم». (سورة البقرة، 276)
ادفع حق التجارة من خلال أداء الزكاة، وحقوق العاملين لديك. لا تستغل وضع العمال أو الطلاب الذين يحتاجون إلى العمل، حتى لو كان ذلك على حساب حقوقهم الخاصة والقوانين. ألم يقل النبي ﷺ: «قال الله عز وجل: “ثلاثة سأكون خصماً لهم يوم القيامة… ومنهم رجل استأجر عاملاً فأدى عمله، ولم يدفع له أجره”»؟ وفي حديث آخر: «أدوا للأجير أجره قبل أن يجف عرقه».
كما أن مهنتك أو عملك أو وظيفتك لا ينبغي أن تشتت انتباهك عن أداء صلاتك في وقتها المحدد. فلا يوجد عمل يستحق أن يؤخرنا عن صلاتنا أو يشتت انتباهنا عن الحضور أمام الله في الوقت الذي حدده، خاصة وأنه قد دعانا إلى ذلك بقوله: «تعالوا إلى الصلاة، تعالوا إلى النجاح». فلا تتأخر عن هذا الموعد بسبب العمل. وقد سما الله «رجالاً» أولئك الذين لا يشتت انتباههم التجارة. يقول الله تعالى: «في بيوت أذن الله أن تُقام فيها صلاته ويُذكر اسمه فيها، ويُسبح فيه صباحاً ومساءً رجال لا تشتت انتباههم التجارة ولا البيع عن ذكر الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة». (سورة النور، 36-37)
يا عباد الله، التوكل هو من أفضل أعمال القلب بعد الإيمان. ولا يكتمل الدين إلا بالتوكل.
لا تُحلَّى الحياة إلا بالتوكل. فالتوكل يجذب لعبه محبة الرحمن. قال الله تعالى: «إن الله يحب المتوكلين».
لا توكل إلا بالثبات والعزيمة. إذا كنت عازماً، فتوكل على الله. فالفاعل الحقيقي في كل الأمور هو الله عز وجل. قال: «وتوكل على الله، فإن الله كافٍ ولياً». (سورة الموالين، 3)
من الذي رعاك عندما كنت قطعة من اللحم في رحم أمك، ورعاك عندما كنت صغيراً وعاجزاً؟ لقد كفل الله، سبحانه وتعالى، رزق كل مخلوق. يقول الله عز وجل: «ما من دابة على الأرض إلا على الله رزقها، وهو يعلم مسكنها ومخزنها. كل ذلك في كتاب مبين». (سورة هود، الآية 6)
من قرأ هذه الآية وفهم معناها، ثم خاف على رزقه، فإنه لم يتوكل على الله. فلا تقلق بشأن الرزق، أيها التلميذ! لأن لا تبارح روحًا الحياة حتى تكمل رزقها وأجلها. هذه هي المحطة السابعة من محطات اليقين. إنها محطة عظيمة، محطة الصالحين الصابرين، الذين يثقون بالله في السراء والضراء، والذين يثقون بالله ثقة تامة في الفقر والغنى، وفي الصحة والمرض، وفي كل الأحوال.
اللهم اجعلنا من المتوكلين، ونجنا من التخطيط والقلق، ولا تجعل الدنيا شغلنا الشاغل، ولا غاية رغباتنا، وامنحنا رزقاً حلالاً طيباً، امنحنا الرضا والرزق والطهر حتى اليوم الذي نلتقيك فيه، وكن راضياً عنا، وارحم إخواننا المضطهدين برحمتك الشاملة. آمين.
Español

