الحمد لله، الذي جعل الوفاء بالوعود سمة من سمات الأنبياء وعلامة من علامات الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله، الواحد، الذي لا شبيه له، الذي يقول في كتابه الكريم: «ووفوا بعهدكم فأنا أوفي بعهدي، واتقوا الله وحده». وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، والسلام والبركات على آله وصحبه أجمعين.
أيها المسلمون، اتقوا الله، وعبدوا ربكم، واشكروه على نعمه، فيزيدكم خيراً. اعلموا أن من أسمى ما جلبه لنا ديننا، وما مدح الله به عباده الصالحين، هو الوفاء بالعهد. فهذا الوفاء يدل على صدق الإيمان، وكمال المروة، وامتلاء الفطوة.
وصف الله أولئك الذين يتمتعون بالعقل في كتابه قائلاً: «إنما يتفكر أولئك الذين يدركون الجوهر. أولئك الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون العهد». وقال في سورة الإسراء: «ووفوا بالعهد، فإنكم ستسألون عنه». والعهد يشمل العهد بينك وبين ربك في الطاعة والعبادة، والعهد بينك وبين عباده في المعاملات. كما يشمل الوفاء بالأمانة التي عرضها الله عز وجل على السماوات والأرض والجبال، فلم تقبلها خوفاً منها، أما الإنسان فقد قبلها.
إن الإنسان حقاً ظالم لنفسه وجاهل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا إيمان لمن لا يوفى بالعهد، ولا دين لمن لا يفي بالعهد». ولذلك، فإن الوفاء بالعهد دليل على صدق الإيمان، ويُثبت أن القلب خالٍ من الخيانة.
يلعن الله في القرآن أولئك الذين ينقضون العهود والاتفاقات. يقول: «أما الذين ينقضون عهد الله بعد التزامهم به، ويقطعون ما أمر الله أن يربط، ويفسدون في الأرض، فأولئك عليهم اللعنة وسوء المقام». وقد جعل الله، سبحانه وتعالى، الوفاء علامة على الإيمان، وقال في وصف المؤمنين: «والذين يوفون بوعودهم وعهودهم»، وقال في آية أخرى: «ومن المؤمنين رجال أوفوا بعهدهم مع الله، فمنهم من أوفى بعهده، ومنهم من انتظر دون أن يتغيروا شيئًا».
يعتبر الإسلام أن خرق العهود من سمات المنافقين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هناك أربع صفات، من اجتمعت فيه كان منافقًا، ومن اجتمعت فيه واحدة منها فقد اتسم بالنفاق حتى يتخلى عنها: إذا أُئتمن، خان؛ وإذا تكلم، كذب؛ وعندما يعقد عهدًا، ينقضه؛ وعندما يتجادل، يظلم». (البخاري). وقد استهل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث بذكر خيانة الأمانة، حيث إن الخيانة محرمة في الإسلام، وسيواجه الخائن عقابًا شديدًا في الدنيا والآخرة. وقال صلى الله عليه وسلم: «الخداع والغش والخيانة تؤدي إلى النار». وسينبذ النبي صلى الله عليه وسلم الخائن يوم القيامة. وسيعجل الله بعقاب الخائنين في الدنيا، وسيكون لهم عذاب شديد في الآخرة.
كما أن الخيانة تؤدي إلى الفقر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الأمانة تجلب الرزق، والخيانة تجلب الفقر». ويشمل ذلك إفشاء أسرار الغير وخيانة الثقة بإسداء النصائح غير الحكيمة عندما يستشيرنا المؤمن. الخائنون لا ينالون محبة الله، كما يقول: «فإن الله لا يحب الخائنين».
الوفاء بالعهود هو سمة نبوية نبيلة. وقد جعل الله عز وجل ذلك من صفات الأنبياء، وقال: «وإبراهيم الذي أوفى بوعده». وقيل عن سيدنا إسماعيل: «واذكر إسماعيل في الكتاب». فقد أوفى بوعده، وكان رسولاً ونبيًّا».
أترون كيف تُعطى الأولوية للوفاء بالعهد على النبوءة؟ لذا، أيها العباد، اتقوا الله وأوفوا بعهودكم وعقودكم، سواء في العبادة أو في جميع المعاملات. اجعلوا الصدق والإخلاص والوفاء بما يُعهد إليكم جزءًا من شخصيتكم. يأمرنا الله أن نرد الأمانات إلى أصحابها الشرعيين ونمنحهم حقوقهم، فأنت نفسك لك حق عليك، ولأسرتك حق عليك، لذا أعطوا كل واحد حقه.
اللهم، اجعلنا صادقين في القول والفعل، واجعلنا من الموفين بعهد الله. احفظنا من النفاق والفتنة وسوء الخلق. اللهم، أعطِ كل واحد حقه، وكن لنا حامياً، ومعيناً، ونصيراً، وداعمًا. اللهم، بارك في مجتمعنا وأميرنا، واهدنا إلى إرساء التميز بيننا في الوفاء بجميع العهود. اللهم، احمي المظلومين، وامنحهم أفضل حكم، وانزل في قلوبهم السكينة والأمل في عدلك الأبدي. آمين.
Español

