الحمد لله الذي جعل الثبات نورًا للمؤمنين، والتقوى حصنًا ودرعًا. أشهد أن لا إله إلا الله، الواحد، الذي لا شبيه له، ونسأل الله أن يكون هذا الشهادة سبباً في فتح أبواب الخير واليسر علينا، وإغلاق أبواب الشر والشدة عنا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، والسلام والبركات على آله وصحبه أجمعين.
أيها المسلمون! اتقوا الله عز وجل وتمسكوا بإيمانكم في كل زمان ومكان، وبسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم. كونوا صابرين، ومثابرين، وثابتين، واتقوا الله لتنجحوا. يقول الله عز وجل: «يُثبِّتُ اللهُ الذين آمنوا بالكلمة الصادقة في الحياة الدنيا والآخرة، ويُضِلَّ اللهُ الظالمين. والله يفعل ما يشاء».
أيها المؤمنون! الثبات هو التمسك بالحق وعدم الانحراف عنه، مهما اشتدت المحن والمصاعب. قال ابن عباس: «الكلمة الثابتة في الآية هي: “لا إله إلا الله”»، أي أن الله يمنح العبد نهاية حسنة ثم ييسر له الجواب في القبر.
نُزلت هذه الآية بشأن عذاب القبر، الذي ينكره البعض في عصرنا هذا على الرغم من تأكيده في القرآن الكريم. ورُوي عن البراء بن عازب، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لحظة انتزاع روح المؤمن فقال:
تعود روحه إلى جسده، فيقترب منه ملاكان ويجلسانه في قبره. فيسألانه: «من هو ربك؟ وما هو دينك؟ ومن هو نبيك؟». وهذه هي المحنة الأخيرة التي يواجهها المؤمن، فيمنحه الله عز وجل الثبات فيجيب: «ربي هو الله، وديني هو الإسلام، ونبيي هو محمد صلى الله عليه وسلم». عندئذٍ يُسمع من السماء: «لقد قال عبدي الحق».
يا عباده! من الأمور التي تنقذ المؤمن من المحن الإيمان والأعمال الصالحة. «إن الله يقوي الذين آمنوا». فلا تدع المحن تؤثر على إيمانك، وأعلن وحدانية الله في جميع الأحوال. لا تكن من أولئك الذين يعبدون الله في أوقات الرخاء ويكفرون به في أوقات الشدة. يقول الله عز وجل: «ومنهم من يعبد الله كأنه على حافة هاوية؛ فإذا جاءهم خير طمأنوا به، وإذا جاءتهم محنة تغيرت وجوههم، فيخسرون في الدنيا والآخرة. تلك هي الهلاك الحقيقي».
من بين الوسائل التي تساعد على الثبات هي الأعمال الصالحة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أسرعوا إلى فعل الخير قبل أن تحل بكم المحن أو الفتن التي ستكون كقطع من الليل الحالك. فقد يستيقظ المرء مؤمناً ويغرب مؤمناً، ويستيقظ كافراً ويغرب مؤمناً؛ ويبيع دينه مقابل متعة من هذه الحياة الدنيا». هذه دعوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسراع في عمل الخير قبل أن تأتي المحن التي تتزايد في أواخر الزمان، كما هو الحال في عصرنا هذا، الذي يبدو فيه أن الحق يختلط بالباطل والخير بالشر.
«بيع الحياة الآخرة مقابل الحياة الدنيا» يعني ارتكاب خطيئة من أجل الحصول على منفعة دنيوية، مثل من يؤخر الصلاة من أجل العمل؛ أو من يحلف كذباً لإتمام صفقة بيع، أو يخدع الآخرين للحصول على أرباح. وفي الواقع، هناك من يبيعون أجرهم من أجل مصلحة هذه الدنيا.
اعلموا أن من أسباب الثبات على الإيمان تجنب الفتن. يقول الله تعالى: «واحذروا فتنة لا تصيب إلا الظالمين منكم. واعلموا أن الله شديد العقاب». قال القرطبي: «أي احذروا من محنة ستصيب الصالحين والطالحين على السواء». سألت عائشة، رضي الله عنها، النبي صلى الله عليه وسلم، فأجاب: «نعم، عندما تكثر الشرور». أي عندما تتزايد الذنوب والأفعال المنكرة. وفي حديث آخر: «عندما يرى الناس البغيض ولا يصححونه، فإنهم يعرضون أنفسهم لأن يحل بهم جميعًا عذاب الله قريبًا».
قيل إن الحطب الجاف يحرق الحطب الأخضر. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يردد: «أعوذ بالله من فتنات الحياة وفتنات الموت». ومن وسائل النجاة من الفتن التمسك بالقرآن والسنة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد تركت بينكم شيئين، إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدًا: كتاب الله وسنتي».
التشبث بالقرآن يعني العمل بموجبه واتباع إرشاداته، مع مراعاة ما حدده من حلال وما حدده من حرام. ومن الأدوات التي تساعد على التمسك بالإيمان في أوقات الشدة أداء الصلاة في أوقاتها المحددة. يقول الله عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا، استعينوا بالصبر والصلاة». وهناك طريقة أخرى تتمثل في التمسك بصحبة الصالحين والابتعاد عن المنحرفين. فالإنسان ضعيف بمفرده، لكنه قوي مع إخوانه وأخواته في الدين. فمصاحبة الصالحين تذكرنا بالله وتساعدنا على طاعته. قال ابن عطاء الله في حكاياته: «لا تصاحب من لا يرفعك حاله ولا ترشدك كلماته إلى الله».
من الأمور التي تساعد على تعزيز الثبات في الطريق تذكر الموت والقبر ويوم الحساب. إن نسيان الآخرة يقسّي القلب ويؤدي إلى ارتكاب الذنوب. ومن الوسائل الأخرى الدعاء، خاصة أثناء السجود. فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقول كثيرًا وهو في السجود: «اللهم يا مُقلب القلوب، اجعل قلبي ثابتًا على دينك». وفي الحديث: «الأعمال تُحكم عليها بنهايتها، كما هو الحال مع الوعاء؛ فإذا كان حافته العليا صالحة، كان قاعه صالحًا، وإذا كان فمه فاسدًا، كان قاعه فاسدًا». قال القرطبي: «الخير في النهاية لا ينال إلا من استقام في حياته وتوقف عند الحدود التي حددها الله».
لذا نسأل الله أن يمنحنا الثبات، وأن يزيدنا في أعمال الطاعة، وأن يبعدنا عن الأمور المشكوك فيها.
اللهم، ثبّتنا على دينك، وأعطنا الثبات على صراطك المستقيم، واجعلنا نحب أعمال الطاعة ونبغض المعاصي والكفر والشر والعصيان. اجعلنا من الهُداة، وامنحنا ختاماً حسناً، واستخدمنا في طاعتك حتى اليوم الذي نلتقيك فيه.
اللهم، احفظ مجتمعنا وأميرنا، واجعلنا متماسكين برباط أخوة قوي في مواجهة أي صعوبة أو فتنة.
اللهم، امنح المظلومين العزاء، والثبات في محنهم، واليقين بكمال عدلك. آمين.
Español

