التقوى

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: «يا أيها الذين آمنوا! اتقوا الله وقولوا القول الصحيح. فهو سيُصلح أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم. ومن يطيع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا». (33:70-71)

كل أسبوع، في كل خطبة، نذكر هذه الآية وآيات أخرى ندعو فيها إلى تقوى الله. كل أسبوع أنصحكم وأنصح نفسي بالتقوى من الله، ولا يمكن تقديم نصيحة أفضل من هذه لأي رجل أو امرأة، لأنها النصيحة والتوجيه اللذان أعطاهما الله لكل إنسان سكن هذا الكوكب. يقول الله تعالى:

«وقد أوصينا الذين آتوا الكتاب من قبلكم، كما أوصيناكم، أن تتقوا الله» (4:131). وهذه هي أول وصية يوجهها كل نبي إلى قومه. وهذا ما يُكرم الإنسان ويرفعه فوق أقرانه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن يكون أكرم الناس، فليتق الله». ويقول الله تعالى: «وإن أكرمكم عند الله هو الأتقي» (49:13).

ولكن، ما معنى التقوى من الله؟ هل هي حالة يُكتسبها المرء أم نوع من الأفعال؟ في الواقع، هي كلا الأمرين: فهي صفة من صفات القلب تنعكس آثارها على الفور في الأفعال. وكلمة «التقوى» مشتقة من الكلمة العربية «وقاية»، التي تعني الحماية والابتعاد عن شيء ما عن طريق وضع حاجز بينك وبين ما تريد الحماية منه. يقول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا، احفظوا أنفسكم وأهليكم من نار وقودها الناس والحجارة» (66:6).

من الناحية اللغوية، «التقوى» هي الفعل الذي تقوم به لوضع حاجز بينك وبين ما تخشاه، أي غضب الله وعقابه. وتقوم بذلك من خلال الحرص الشديد على إطاعة أوامر الله وتجنب محظوراته.

عندما سأل رجل (و تشير بعض الروايات إلى أنه كان «عمر» وهو خليفة) أبا هريرة عن معنى التقوى، أجاب بسؤال:

“هل سبق لك أن سلكت طريقًا مليئًا بالأشواك؟” فأجاب الرجل: “نعم”، فسأله: “وماذا فعلت؟” فأجاب: “عندما أرى الأشواك، أتجنبها، أو ألتف حولها، أو أتوقف”. قال أبو هريرة: «هذه هي التقوى».

هذه الحذر لا يتحلى به إلا من يتقون الله، ولهذا السبب غالبًا ما تُعتبر التقوى مرادفًا للخوف، وتُترجم في كثير من الأحيان على أنها الخوف أو الرهبة. قال علي بن أبي طالب:

«التقوى هي الخوف من العظيم، والتصرف وفقاً للكتاب الموحى، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الموت». يجب أن يرافقنا هذا الخوف والوعي بالله في كل لحظة، وأن يحدد مسار جميع أعمالنا، كبيرة كانت أم صغيرة. وهذا هو السبب الرئيسي لنمو التقوى في قلب الإنسان، ولكنه ليس السبب الوحيد. يجب علينا أيضًا أن نتحلى بالمعرفة والمحبة والشكر، كما ذكر ابن يزاي في تفسيره. يجب أن يكون لدينا معرفة بالله، وبرسله، والآخرة. ولهذا يقول الله تعالى:

«إنما يتقون الله من عباده الذين علموا». (35:28) وعلينا أن نحبه، لأن الطاعة لا تصبح متعة إلا بالحب. فأي عاشق لا يرغب في إرضاء حبيبه وتجنب إغضابه؟ يقول الله تعالى:

«أما المؤمنون فهم أحب إلى الله». (2:165)

لذا نسأل الله أن يجعل حبنا له صادقاً، وأن يزيدنا في المعرفة والوعي بالخشية منه، وأن يجعلنا من المتقين.

*******

أيها المسلمون، لقد رأينا أن التقوى هي ما يرفع من مرتبتنا ويُكرمنا عند الله وبين الناس، بل إنها تنطوي أيضًا على العديد من الفوائد الأخرى، والتي يرد الكثير منها في قائمة ابن يوزاي في تفسيره، فالعمل في كل لحظة على حماية نفسك من خلال أفعالك وبنية عدم إغضاب خالقك لا يؤدي إلى الحماية من عقابه فحسب، بل له أيضًا أجر عظيم وبركة ونور يرافقك في هذه الحياة وفي الآخرة، فالتقوى هي أفضل ما يمكننا اكتسابه في الدنيا والآخرة. يقول الله تعالى:

«واحملوا زادًا، وإن أفضل الزاد هو تقوى الله». (2:197)

ورغم أن لا أحد في مأمن من ارتكاب الأخطاء، فإن التقوى تحمينا من العديد من المواقف غير المرغوب فيها التي قد تضر بنا والتي قد نجد أنفسنا فيها إن لم نكن يقظين.

أولاً، يجعلنا متلقين لإرشاد الله. يقول الله تعالى:

«هدى للخائفين (من ربهم)». (2:2)

ثم يؤكد أن أعمال المرء يجب أن تكون مقبولة، لأن الأعمال بدون التقوى تكون باطلة ولا معنى لها. يقول الله تعالى:

«إن الله لا يقبل إلا من المتقين.» (5:27)

تأكد من محبة الله وحمايته، وأنه لن يتخلى عنك أبدًا. يقول الله تعالى:

«صحيح أن الله يحب المتقين». (9:7)

ويقول أيضًا:

«صحيح أن الله مع المتقين»

ويقول:

«إن الله هو صديق المتقين. التقوى». (45:19)

كما أنه يضمن زيادة مستمرة في المعرفة والتمييز، ومحو الأفعال الخاطئة التي نرتكبها. يقول الله تعالى:

«واتقوا الله، فيعلمكم الله». (2:282)

ويقول أيضًا:

«يا أيها الذين آمنوا! إن اتقيتم الله، أرشدكم، وغفر لكم ذنوبكم، ورحمكم». (8:29)

بفضل التقوى، يفتح الله مخرجاً عندما تبدو جميع السبل مسدودة، ويزودنا من حيث لا نتوقع. يقول الله تعالى:

«ومن يتقى الله، يفتحه له مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحسب». (65:2)

كما أنه ييسر أمورنا. يقول الله تعالى:

«من يتقى الله، ييسر له أمره». (65:4)

الله يمنح النجاح والدخول إلى الجنة، ويحمي من عذاب النار. يقول الله تعالى: «إن المتقين لهم عند ربهم جنات النعيم». (68:34) كل هذه النعم، وكل هذه المكافآت، وغيرها الكثير، مخصصة لأهل التقوى، أولئك الذين خضعت قلوبهم لله، والذين امتلأت نفوسهم بالوعي به، وأطرافهم تعمل طاعةً له سعيًا إلى رضاه. هؤلاء هم الذين سينجحون في الدنيا والآخرة. إنهم فئة الله الحقيقية، ولهذا السبب يأمر الله بالتقوى أكثر من ثمانين مرة في الكتاب، ولهذا السبب كان النبي صلى الله عليه وسلم، عندما يخاطب أمته، يدعوهم إلى التقوى.

نسأل الله أن يضع التقوى في قلوبنا وأن يبقينا دائمًا في صحبة المتقين.