
الحمد لله، الذي خلق الإنسان وعلمه ما لم يكن يعلمه، وأخرجه من ظلمات الجهل إلى نور الحكمة والمعرفة، وميزه بعقل سليم، وأمره بأن يستخدمه في الخير. أيها المسلمون، اعلموا أن الله أمر بالتقوى قبل السعي وراء العلم: «اتقوا الله، فيعلمكم الله، والله عليم بكل شيء».
الحياة بدون علم هي حياة بائسة ومستهجنة، والعلم بدون رحمة هو كلام لا فائدة منه. ولذلك، فإن التقوى تأتي قبل أي شيء آخر. إن مخافة الله تنير الباطن، وتقوي الذاكرة، وتوسع الأفق؛ وطاعة الله عز وجل تنير طريق الباحث عن العلم ومنهج المعلم، فإن العلم النافع والعصيان لا يجتمعان في القلب.
لا شك في أن العطلة الصيفية تقترب وأننا في شهر الامتحانات. إن النجاح في الامتحانات والتفوق الدراسي أمر لا يتحقق إلا للطلاب الذين يبذلون جهدهم في الدراسة ليلًا ونهارًا. أما التشتيت والكسل واللعب بالهواتف والأجهزة اللوحية، فتؤدي إلى الندم وخيبة الأمل عند حلول موعد الامتحانات.
لقد أمرك الله سبحانه وتعالى بقراءة القرآن ودراسته قبل أن يأمرك بالصلاة والصوم. وأول ما نزل من كتابنا المقدس هو «اقرأ». وهذا دليل قاطع على أن أمتنا لا وزن لها إلا بالعلم، ولن تتقدم إلا بالعلم. وما يُقصد بالعلم (العلم) هو كل أنواع العلوم الدنيوية والآخرة. وقد خلق الله عز وجل الإنسان، وخلق له السمع والبصر والقلب ليستخدمها في اكتساب العلم. يقول الله تعالى: «وَأَخْرَجَكُمُ اللهُ مِنْ بُطُنِ أُمُّهِمِ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا، وَأَعْطَاكُمْ السَّمِيعَ والبَّصِيرَ والقَلْبَ لَعَلَّكُمْ شُكرَانٍ». والشكر لهذه الأعضاء لا يقتصر على اللسان فحسب، بل باستخدامها للغرض الذي خُلقت من أجله.
على الطلاب والطالبات أن يدركوا أن فترة التعلم تمر بسرعة البرق. ومن يستغلها جيدًا ويستفيد منها سيتوج بالنجاح ويكون من بين الفائزين. التعليم أشبه بمبنى له أساس وقواعد. ومن يبنيه على أسس متينة سيحقق نجاحًا باهرًا. أما من يبدأه على أسس هشة فلن يحقق شيئًا.
أيها الشباب، قال رسولنا ﷺ: «استفيدوا من خمس أشياء قبل أن تأتي خمس أخرى: شبابكم قبل الشيخوخة، وصحتكم قبل المرض، وثروتكم قبل الفقر، ووقت فراغكم قبل الانشغال، وحياتكم قبل الموت». أنت اليوم شاب، لكن هذه الشباب لا يدوم، فستغزو الشيب رأسك وستنسى جمال شبابك. أنت اليوم قوي، لكن الصحة لا تدوم، فهي كظل عابر.
اليوم أنت على قيد الحياة، وغدًا تموت. اليوم أنت حر، وغدًا ستكون مشغولاً. من لا يتذوق مرارة التعلم في ساعة واحدة، سيشرب كأس الجهل طوال حياته. التعلم في شباب المرء أشبه بالنقش على الحجر، أما التعلم في كبره فهو أشبه بالكتابة على الماء.
***********
يا عباد الله، لقد رفع الله عز وجل، العظيم الجليل، من شأن أهل العلم. وقد ورد في الحديث النبوي الشريف: «تفوق العالم على العابد كتفوق القمر في ليلة البدر على جميع الكواكب. والعلماء هم ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يتركوا ميراثاً لا ديناراً ولا درهماً، بل تركوا العلم، فمن أخذه فقد اكتسب ثروة وفيرة». أيها الشباب، اجتهدوا في اكتساب العلم، واستعدوا ولا تيأسوا، ولا تفشلوا، وابحثوا عن طلاب صالحين لتدرسوا معهم وتساعدوا بعضكم بعضًا، ولا تكونوا متكبرين ولا تخجلوا، لأن هناك نوعين من الناس لا يتعلمون: المتكبرون والخجولون. واعلموا أن العلم يُكتسب بلسان متسائل وقلب عاقل. ولا تنجرفوا وراء الكسالى والجهلاء، فهم ذوو تأثير سيئ. قال بعض الحكماء: «اصطحب القادة، فمن يرافقهم سيصبح واحداً منهم». أيها المسلمون، إن كرستم كل وقتكم للعلم فلن تحققوا سوى القليل، وإن كرستم جزءاً من وقتكم له فلن تحققوا شيئاً.
اللهم، اهدِ شبابنا إلى ما تحب وما يرضيك. وكن لهم حامياً، ومعيناً، وداعمًا، وافتح بصيرتهم وأنر قلوبهم، واجعلهم يحبون الإمام والإسلام، واحفظهم في دينهم، وجمّل أخلاقهم، واجعلهم يبغضون الفجور والعصيان. آمين.
Español

