
يقول الله سبحانه وتعالى: «سبح ربك بحمده وكن من الساجدين! واعبد ربك حتى تأتيك اليقين».
يقول الإمام البخاري: «اليقين هو الموت»، وقد قال ذلك أيضًا مجاهد وقطادة وآخرون. والمقصود بهذا القول: اعبد ربك من يوم التكليف (اللحظة التي تصبح فيها العبادات واجبة) حتى يحل بك الموت، وكن من الساجدين حتى الموت، وكن من الملتزمين بالمساجد حتى الموت، لأن ذلك من علامات الإيمان واليقين. قال الله عز وجل: «إنما يبقى في مساجد الله الذين آمنوا بالله واليوم الآخر، وأقاموا الصلاة، وأدوا الزكاة، ولا يخشون إلا الله. فربما يكونون من المهتدين». كل هذا في رمضان وبعد رمضان وفي كل زمان ومكان. وقد سما الله عز وجل الذين يثبتون في المساجد «رجالاً» قائلاً: «في بيوت أذن الله أن تُقام فيها ذكراه، ويُسبح فيه اسمه صباحاً ومساءً. رجال لا تشتت انتباههم عن ذكر الله لا تجارة ولا عمل». هناك فرق كبير بين «الرجل» و«الذكر»، لأن كل «رجل» هو «ذكر»، ولكن ليس كل «ذكر» هو «رجل». لذا، أيها الصائم! عليك أن تشمر عن ساعديك للعمل، وألا تخلع ثوب التقوى والإمام بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان. احذر من إهمال المساجد والقرآن والقيام بعد رمضان، لأن هذا من سمات الضعفاء والكسلانين والضعفاء في الإيمان. أما الصالحون والتقون فيزيدون من إيمانهم بعد رمضان. أما الصائمون الصالحون، الذين يقبل الله صيامهم وقيامهم، فلا يرخون من رباط اليقين والجدية بعد رمضان. قال الله عز وجل: «إن الله يقبل من الذين يتقونه».
أيها المؤمنون! من علامات قبول العبادة أو الطاعة أن يُسمح للعبد بمواصلة العبادة. فإذا عمل عملًا صالحًا، يُسمح له بعمل صالح آخر بعده. فالأعمال الصالحة والطاعة تزيد من وزن الحساب عند الله. «أولئك الذين تزن أعمالهم في الميزان… أولئك هم الفائزون. وأولئك الذين لا تزن أعمالهم في الميزان… أولئك هم الخاسرون».
عباد الله، من علامات قبول الطاعة أن ينفتح صدرك ويهدأ قلبك بعد كل عبادة. يقول الله تعالى: «الذين آمنوا ويهدئون قلوبهم بذكر الله». أي أولئك الذين يجدون ما يبحثون عنه في ذكر الله، وفي طاعة الله، وفي عبادة الله في كل زمان ومكان. وحلاوة الإمام هي أن تجد عزاءك في ارتباطك المستمر بالله.
قال النبي ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله هي تلك التي تدوم، ولو كانت قليلة». أي أن القليل الدائم خير من الكثير المتقطع. فمن يتوب في رمضان ثم يعود إلى ارتكاب الأخطاء والأفعال المقيتة، ويترك الصلاة والطاعة، فإن توبته تتطلب توبة أخرى، وعليه أن يراجع نفسه ويجدد توبته.
ومن علامات النجاح والهداية أيضًا أن يؤثر الصيام والصلاة في أخلاقك، ويُرجعوك من الخطأ إلى الاستقامة، ومن الضلال إلى الهداية، ويزيدان إيمانك ويقويان يقينك بعد شهر الصيام. الإسلام هو للروح والقلب، فهو كالروح للجسد، تحتاج إليه في كل لحظة، في التعامل وفي العبادة. تمامًا كما يعتمد الجسد على التنفس. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: «ومن يتوكّل على الله فقد هُدي إلى صراط مستقيم».
أيها المسلمون! من إتمام الصيام والقيام دفع زكاة الفطر، التي شرعها رسول الله ﷺ. عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: «أمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر، صاعًا من التمر أو صاعًا من الشعير، على العبد والحر، الرجل والمرأة، الصغير والكبير، من المسلمين». حديث رواه البخاري. وهي طعام للمحتاجين وتطهير للصائمين من الكلام الباطل والألفاظ البذيئة والعيوب. ومن دفعها قبل صلاة العيد فهي زكاة مقبولة، ومن دفعها بعد صلاة العيد فهي صدقة. يقول الله عز وجل: «فقد فاز الذي تطهر وذكر اسم ربه وصلى».
في هذه الآية يُذكر الزكاة قبل الصلاة. وقد فرضها الله عز وجل من أجل الإحسان إلى الفقراء، ومنعهم من التسول في يوم العيد، ولكي تملأ الفرحة والسعادة قلوب جميع المسلمين. ويجب على المسلم دفعها نيابة عن جميع من يعولهم، مثل والديه إن كانا فقيرين، وزوجته، وأبنائه وبناته. وتُدفع الزكاة عن الأبناء حتى بلوغهم سن البلوغ، وعن البنات حتى زواجهن. أما الطفل الذي يولد قبل غروب الشمس، فتُدفع زكاة الفطر نيابة عنه، ومن يعتنق الإسلام قبل غروب الشمس عليه دفعها. أما الجنين، أو من توفي قبل غروب الشمس، فلا تُدفع الزكاة عنهم. ويجب أن تصل الزكاة إلى المستحقين قبل صلاة العيد.
اللهم، تقبل صلاتنا وصيامنا وتوبتنا. إنك المتقبل للتوبة، الرحيم.
اللهم، طهر صيامنا من العيوب، واجعل الصيام شفيعاً لنا في اليوم الذي لا تنفع فيه الثروة ولا الأبناء، ولا قيمة إلا بالقدوم إلى الله بقلب طاهر. آمين
Español

