نعمة النجاح

الحمد لله، الذي يهدي من يشاء بنعمته، ويضل من يشاء بعدله. ومن يضل الله فلا هداية له، ومن يهدي الله فلا يضلله أحد.

أشهد أنه لا إله إلا الله، الواحد لا شريك له، وأن محمدًا ﷺ هو عبده ورسوله، سيد الأوائل وخاتم الأنبياء والرسل، والسلام والبركات على آله وصحبه.

أيها المسلمون! اتقوا الله ورجعوا توبة تامة إلى ربكم، فتنجحوا!

قال الله، سبحانه وتعالى، في القرآن الكريم، نقلاً عن كلام نبيه شعيب، عليه السلام: «ما أريد إلا أن أهدي من استطعت. ما أنا إلا على هداية الله، عليه أعتمد وإليه أرجع».

اعلموا أن النجاح والهداية والاستقامة هي نعم من الله عز وجل. وهي وسائل يفتح بها صدر من يشاء من عباده. والنجاح هو عون خاص من الله عز وجل لعبيده، فهو يضعف تأثير النفس والشيطان، ويقوي الرغبة في الطاعة. وعلى العكس من ذلك، لو تُرك العبد لنفسه، لغلبته النفس وأدته إلى الشر. قال الإمام البغوي: «التوفيق هو تيسير سبل الخير والطاعة». وقال ابن القيم: «التوفيق بيد الله، ومفتاحه الدعاء، والحاجة، وإخلاص النية، والشوق، والخوف منه». يا عباد الله، من علامات التوفيق من الله طهارة القلب واللسان. والناجح هو الذي أنقذه ربه وخلصه من شر الذنوب الكبرى الخفية التي قد تستقر في قلبه، مثل الحقد والكراهية والحسد، وتفكير الشر في الآخرين، واتهام الناس بنوايا مزعومة، والافتراء عليهم، والغيبة عنهم. هذه هي أمراض القلب التي تحول بينك وبين النجاح والاستقامة، حتى لو كنت من بين الذين يركعون ويسجدون ليلًا ونهارًا. قال النبي ﷺ: «أفضل عباد الله هم الذين إذا نظرت إليهم ذكّرتَ بالله». أسوأ عباد الله هم أولئك الذين ينشرون النميمة، ويفرقون بين الأحباء، ويحاولون إيذاء الأبرياء. فلنتذكر اليوم أننا ذكرنا في الخطبة السابقة الأضرار التي تنجم عن النميمة والافتراء.

يا عباده، من علامات النجاح الذكر المستمر لله. الناجح هو الذي أوحى الله إليه بذكره. تراه يذكر ربه بقلبه ولسانه. أصحاب النجاح لا يتوقفون أبدًا عن ذكر الله، في كل لحظة. وقد وعد الله عز وجل بمكافأة عظيمة على هذا العمل العبادي قائلاً: «الذين يكثرون ذكر الله والذين يذكرن؛ أعد الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا».

سُئل شقيق بن إبراهيم، الذي كان من الصالحين: لماذا يبقى باب النجاح مغلقاً أمام بعض الناس؟ فقال:

لستة أسباب: إنهم منشغلون بالاستمتاع بالنعم ولا يشكرونها. يبحثون عن العلم ثم يتخلون عن تطبيقه. أي: علم بلا عمل. يسرعون في ارتكاب الأخطاء ويتأخرون في التوبة. يتفاخرون بصحبة الصالحين، لكنهم لا يحذون حذوهم. أي أنهم يحبون الصالحين والأولياء، لكنهم يتخلون عن الأعمال الصالحة التي كانوا يقومون بها. تنحرف الدنيا عنهم، فيسعون وراءها. وتقترب منهم الآخرة، فيبتعدون عنها.

اسأل نفسك ما إذا كنت تواجه أيًا من هذه الحالات الست لترى ما إذا كنت من الأشخاص الناجحين أم لا!

أيها المؤمنون! على كل مسلم أن يسعى إلى الوسائل التي تؤدي إلى النجاح، وهذه الوسائل كثيرة، ومن بينها إنكار القدرة والقوة لكل ما عدا الله. ولذلك فإن عبارة «لا حيلة ولا قوة إلا بالله» هي من أفضل الذكريات. قال النبي ﷺ: «لا يوجد رجل على وجه الأرض يقول: لا إله إلا الله، وسُبحان الله، والحمد لله، ولا حيلة ولا قوة إلا بالله، إلا وغُفرت ذنوبه، حتى لو كانت أكثر من رغوة البحر». وقال النبي ﷺ في حديث آخر عن هذا الذكر أنه من كنوز الجنة. ومن ادعى أن له قوة فسيفشل ويخسر، وسيُسبق الله عقابه ليُريه ضعفه قبل وفاته. وقد أهلك الله، سبحانه وتعالى، قارون بكلمة قالها عندما ذُكّر بنعم الله عليه، فردّ قائلاً: «ما أُعطيتُ إلا بفضل ما لديّ من علم»، فجعل الله الأرض تبتلعه هو وبيته.

يا عباده! من أسباب النجاح الدعاء المستمر، فهو باب عظيم. على العبد أن يدعو بالنجاح والتوفيق في جميع أموره إلى من بيده كل أمر وقوة. ومن أسباب النجاح التوكل على الله والاعتماد عليه في كل الأوقات، أي في السراء والضراء. وكذلك نيل محبة الله لنا. ويكفينا ما رواه النبي ﷺ في حديث قدسي:

يقترب عبدي مني بما أوكلته إليه من فرائض، ويستمر عبدي في الاقتراب مني بالأعمال التطوعية حتى أحبه. وعندما أحبه، أصبح أنا اللسان الذي يتكلم به، والقلب الذي يشعر به، والأذن التي يسمع بها، والعين التي يبصر بها، واليدين اللتين يمسك بهما، والقدمين اللتين يمشي بهما. سأعطيه كل ما يطلبه مني. وسأساعده عندما يطلب مني المساعدة، وسأحميه إذا لجأ إليّ طلباً للحماية.

هذا هو جوهر النجاح: أن تكون حركاتك وسكونك تحت رعاية الله.

اللهم، اهدنا إلى ما تحب وترضي، اهدنا إلى فعل الأعمال الصالحة، وليكن هذا آخر ما نقوم به في حياتنا، واستخدمنا في كل ما يرضيك. اللهم، لا تتركنا وحدنا ولو للحظة واحدة. اللهم، نشكو إليك ضعفنا، وقلة مواردنا، وتفاهتنا أمام الناس. آمين.