مباركة الماء

الحمد لله، الذي خلق الإنسان من ماء، وأعطاه نسباً وقرابةً عن طريق الزواج، وربك عظيم. أيها المسلمون! من بين النعم التي أنعم الله بها على جميع المخلوقات نعمة الماء. الماء نعمة عظيمة تستحق الشكر في كل لحظة، وتستحق الشكر عندما تكون أنت، أيها الإنسان الضعيف، في حاجة إلى هذه المادة الحيوية لكل شيء، ولا يمكنك الاستغناء عنها ولو للحظة واحدة.

قال الله تعالى: «… وقد خلقنا من الماء كل شيء حي، أفلا تؤمنون؟». الماء هو سر الوجود وجوهر الحضارة وأفضل مشروب، وهو عنصر أساسي في تكوين المخلوقات. يُذكر الماء في القرآن الكريم ثلاثاً وستين مرة، وهذا يدل على قيمة هذه النعمة. ويحث الإسلام على الحفاظ على الماء ويحظر إهداره، حتى في الوضوء. ومن فضائل الوضوء تقليل كمية الماء المستخدمة فيه.

ذات يوم مر النبي صلى الله عليه وسلم بجانب سعد رضي الله عنه وهو يتوضأ، فقال له: «ما هذا الإسراف؟». فقال سعد: «أفيالوضوء إسراف؟». فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم: «نعم، حتى لو كنتُ بجانب نهر يجري ماءً غزيرًا».

أيها المؤمنون! ديننا الحقيقي يحظر الإسراف في كل شيء، ولا سيما في استخدام الماء. يقول الله تعالى: «وَكُلُوا وَاشربوا ولا تسرفوا». وقال أيضًا: «إن المسرفين هم إخوة الشياطين».

اعلموا أن النعم تبقى بالامتنان وتزول بالإسراف والكفر. ولا يدرك قيمة النعمة إلا من فقدها. الإنسان ضعيف، ولا يدرك نعمة الماء إلا من خلال العطش، ونعمة الطعام إلا من خلال الجوع، ونعمة الأمان إلا من خلال الخوف. قال أحد الحكماء: «إذا كنت تنعم بنعمة، فاحفظها، فإن الذنوب تزيل النعم. واحفظها بتقوى الله. إن الله سريع الانتقام».

يا عباد الله! إن البلاءات لا تنزل إلا بسبب الذنوب، ولا تزول إلا بالتوبة. فلتتوبوا إلى ربكم ولتشكروا له، فيمنحكم ماءً وفيرًا. وقد يبتلي الله عباده بحرمانهم من النعم بسبب الأخطاء، والذنوب الكبرى، والفجور، والأعمال السيئة.

قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «وإذا حجبتم الزكاة حُجبت عنكم الأمطار، ولولا الحيوانات لما أمطرت، وإذا خرقتم عهد الله وعهد رسوله، أرسل الله عليكم أعداءً». ومن الأسباب التي تمنع نزول المطر الامتناع عن إخراج الزكاة، وهو ذنب عظيم، وإنكار لأحد أركان الإسلام، وإضرار بالفقراء في الحق الذي خصصه الله لهم من الثروات. يقول الله تعالى: «وَمَا فِي أَموالهم إلا حقٌ معروفٌ للمعوزِ والفقيرِ». ثم هناك إهدار الطعام، والطعام الذي يُرمى في القمامة، وفي الحمامات، وفي كل مكان، في حين يموت آخرون جوعاً. هذا ظلم، وهذا إسراف. ارحموا من على الأرض، فسيرحمكم من في السماء.

في عهد نبيّنا موسى، عليه السلام، حلّت الجفاف في جميع أنحاء العالم، فجمعهم للصلاة والدعاء من أجل هطول المطر، لكن الجفاف ازداد، فاشتكى موسى، عليه السلام، إلى ربه، فقال له: «بينكم رجل من عبادي ظل يعصيني أربعين عامًا، ولشدة عصيانه، منعتُ المطر. فاطردوه، وسينزل المطر».

لذلك صرخ موسى قائلاً: «يا بني إسرائيل، بينكم رجل عاصٍ، فليخرج، وإلا فإننا سننسى أمر المطر». فقال العبد العاصي: «يا سيدي، إن خرجتُ، فسيعرفون أنني هو، فاحمني، لأني تائب عن كل ذنب»، فنزل المطر بفضل توبته. فطلب موسى من ربه أن يبيّن له من هو ذلك الرجل. فقال الله له: «يا موسى، لقد عصاني أربعين عامًا فغطيتُ عليه، فكيف لي أن أكشفه وهو تائب؟». فإذا كان بين قوم موسى آثم توقف المطر بسببه… فما حالنا نحن؟ كم عندنا من الظالمين، والله يرزقهم ويحميهم؟ يقول الله تعالى في القرآن الكريم: «وقلتُ لهم: استغفروا ربكم، إنه غفور. سيُرسل عليكم السماء بأمطار غزيرة، ويمنحكم المزيد من الثروات والأبناء، وكذلك الحدائق والأنهار».

********

أيها المسلمون، من أسباب الجفاف وقلة الأمطار الفساد الذي يحدث في الأرض. قال الله تعالى: «ظهر الفساد في البر والبحر حتى يتضح للناس ما فعلوا، لعلهم يعودون».

تؤدي الفساد، وقطع الأشجار، والتلوث، والاعتداءات على البيئة إلى ندرة الأمطار وتغير المناخ. كما أن الإسراف في استخدام المياه قد أخذ في الاعتبار في الفقه الإسلامي، بهدف جعل تقليل كمية المياه المستخدمة إحدى فضائل الوضوء.

وهكذا، كان نبينا، عليه السلام، يتوضأ بكمية «ألمود» واحد ويغتسل بأربعة. وهذا يوضح لنا أن من يتوضأ بإسراف يجمع بين الطاعة والعصيان، وهذان النقيضان لا يجتمعان.

فاعلموا أن الماء هو عطية أرسلها الله وأوكلها إلى الأرض لكي يستفيد منها الناس. يقول الله تعالى: «نُنزِلُ ماءً من السماء بكمية معينة ونُثبِّتهُ في الأرض، ولكننا قادرون على أن نأخذه».

إذا ارتكب الإنسان إساءة على الأرض، فسيبتليه الله بالجفاف والعطش. يا قوم، اتقوا الله وتوبوا إلى ربكم، واطلبوا منه المغفرة، وكونوا شاكرين للبركة التي تجنونها، واعلموا أن الله يمنح النعمة ولا يهمل.

يا الله، أنزل علينا المطر، ولا تجعلنا من القوم المكتئبين، وامنحنا مطراً نافعاً، مصحوباً بالأمان والرفاهية، آمين.