كيف نبقى على طريق رسول الله

الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الإسلام والإمامة، ونور لنا الطريق بإرسال خير الناس، سيدنا محمد، خاتم الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه، شموس الهداية ونجوم القدوة.

أيها المسلمون، كيف يمكننا أن نسير على خطى رسول الله ﷺ؟ طُرح هذا السؤال بعد أن ذكرنا في الخطب السابقة بعضًا من أخلاق رسول الله ﷺ الحميدة وتحدثنا عن بعض محطات حياته. وللإجابة على هذا السؤال، علينا أن ننظر إلى مهام الرسول ﷺ. يقول الله تعالى: «هو الذي أرسل إلى الأميين رسولاً منهم، يقرأ عليهم آياته، ويطهرهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وهم كانوا من قبل في ضلال مبين». تشير هذه الآية إلى المهمة التي أُرسل من أجلها رسول الله ﷺ إلى البشرية.

الأولى، تلاوة القرآن: «ويقرأ عليهم آياته». إن تلاوة القرآن على الناس هي أهم مهمة للرسول، ولخلفائه من العلماء الذين ورثوا نور النبوة. يرد الأمر بتلاوة القرآن في العديد من آيات القرآن الكريم، كما يقول الله عز وجل: «واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك، لا مبدل لكلماته». وفي آية أخرى: «ما أُمرْتُ إلا أن أعبد رب هذه الأرض الذي جعلها مقدسة، والذين له كل شيء؛ وأُمرْتُ أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن».

لذلك، فإن السير على خطى الرسول يتم بالرجوع إلى كتاب الله، سبحانه وتعالى، وحفظه، والتأمل فيه، وتسبيحه. وقد مجّد نبينا ﷺ القرآن الكريم ومن يحفظه. وكان يرسل القراء إلى جميع المدن والبلدان، ويرسل مع كل منهم شخصًا ليتحدث إليهم عن الدين. وكان أصحاب رسول الله ﷺ يسيرون على نهج نبينا ﷺ في كيفية تمجيد القرآن: فقد كتبوه، وجمعوه، وحفظوه في الصدور وعلى السطور حتى يصل إلينا، محفوظًا من التشويه والتحريف والتغيير.

كان الصالحون ينفقون ثرواتهم في حفظ كتاب الله، وفي بناء المدارس الدينية، لا سيما تلك المخصصة لحفظ القرآن الكريم، وكانوا ينفقون على الحافزين والمعلمين، ويخصصون ممتلكاتهم كوقف لأهل القرآن، الذين هم أهل الله وأقرب الناس إليه.

كل هذا من أجل تمجيد دور رسول الله ﷺ ونقل رسالته إلى البشرية جمعاء، فحفظ القرآن يعني حفظ الوحي، وحفظ كلام الله ورسالة رسول الله ﷺ، والحفاظ على أخلاق رسول الله ﷺ. ألم تقل عائشة إن أخلاقها كانت القرآن؟

الوظيفة الثانية: «يُطهرهم»، وكلمة «تزكية» تعني التطهير، وتشير أحيانًا إلى التربية. فقد طهر رسول الله ﷺ أمته، وطهرها من كل صفة مستهجنة، وغرس فيها صفات جديرة بالثناء. وقد طهر معتقداتهم من نجاسة الشرك والأصنام، وحوّلهم من عباد المخلوقات إلى عباد الخالق.

********************

عباد الله، الوظيفة الثالثة هي: «ويعلمهم الكتاب والحكمة». والمقصود هنا هو شرح أحكام الشريعة في مسائل العقيدة، وأعمال العبادة، والمعاملات، والتعاملات، والسلوك. ولم يترك نبينا ﷺ أي خير إلا وأرشدنا إليه، ولا أي شر إلا وحذرنا منه. ولم يرحل إلى العالم الآخر إلا بعد أن أوضح لنا الطريق، الذي ليله كالنهار، ولا يضل فيه أحد إلا الهالكون والضالون، ومن يضلله الله فلا مرشد له.

اعلموا أن على كل واحد منا جزءًا من مهام رسول الله ﷺ، أي أن الحياة لن تكون سليمة دون تطبيقها، ولن يسير الإنسان على الطريق المستقيم ما لم يستمد من هذه المهام نورًا يهديه في ظلام الشهوات والرغبات. كل واحد منا بحاجة إلى هذه المهام؛ لتربية أبنائه وتحسين أخلاقه وأخلاق أسرته وأخلاق المجتمع. هذه المهام الثلاث هي الأسس المتينة لبناء الإنسان والأسرة والفرد والمجتمعات. ومن يبني أسرته على هذه الأسس، فعليه أن يعلم أنه قد أقام أساساً متيناً وثابتاً، لن تهزه أي شيء، ولن تتأثر بالأكاذيب التي تأتي من هنا وهناك، لأن جذوره راسخة، وهو كشجرة جذورها راسخة وأغصانها تمتد إلى السماء، تثمر في كل وقت، بإذن من ربها.

لذلك، اتقوا الله، يا عباد الله، واتبعوا طريق رسول الله، فتنجحوا وتثبتوا على شريعته وتحققوا نصرًا عظيمًا، واطلبوا من الله أن يثبتكم على سنته حتى نلتقي بالله ويكون راضياً عنا.

اللهم أبقنا أحياء على السنة النبوية ﷺ، واجعلنا نموت عليها، وأحيينا تحت رايتها، واجعلنا نلتقي به وبجماعة الأنبياء والشهداء والصالحين. آمين.