الحمد لله، الملك العادل. لقد خلق الإنسان وعلمه الكلام. وأمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الإثم والعدوان. وأشهد أن لا إله إلا الله، الواحد لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، سيد بني آدم، والسلام والبركات على آله وأزواجهن، أمهات المؤمنين.
أيها المسلمون! اتقوا الله واجعلوا هذا زاداً لكم، فإن الرحلة طويلة. اعلموا أن أحب الناس إلى الله عز وجل هو من ينفع الناس أكثر، كما أخبرنا بذلك الصادق الأمين ﷺ. قال: «أحب العمل إلى الله عز وجل هو أن يفرح مسلماً أو يزيل عنه كرباً، أو يسدد ديناً له، أو يشبع جوعه». وقال أيضًا: «وأما أنا، فإن مرافقة أخٍ لتسيير أمر له أحب إليّ من الخلو في هذه المسجد (أي مسجد المدينة، حيث الصلاة فيه تفوق ألف صلاة في مسجد آخر)». وقال أيضًا: «من رافق أخًا لمساعدته في أمر ما حتى ينجزه، فإن الله يثبت خطواته في اليوم الذي ترتجف فيه الأقدام».
نتعلم من هذا الحديث أن جوهر الإسلام يكمن في مساعدة الآخرين، ومواساتهم، وتلبية احتياجاتهم، وإغاثة الآخرين. لقد نشر النبي ﷺ رسالته وساعد المحتاجين، لكنه كان يفعل ذلك بالفعل قبل أن ينزل عليه الوحي، وظل في حالة من الفطرة السليمة طوال شبابه. فقالت له أم المؤمنين خديجة، عندما عاد خائفًا من جبل حراء: «لا تخف، وافرح، فإن الله لن يذلّك أبدًا. فأنت تحافظ على روابط القرابة، وتقول الحق، وتهتم بالآخرين، وتُحسن معاملة الضيوف، وتساعد على إحقاق الحق».
فلنلاحظ جيدًا أن كل ما ذكرناه هنا هو حقائق، فالإسلام هو أقوال وأفعال. وبفضل شخصيته النبيلة، جعل النبي ﷺ أصحابه يحبون الدين، وأوضح في الحديث المذكور آنفًا أن تلبية احتياجات الناس أفضل من الانعزال في مسجده. لذلك، لا ينبغي لبعض الناس أن يقصروا دينهم على الصلاة والصوم. فالدين أوسع من ذلك بكثير. فإذا كانت الصلاة والصوم من الأركان التي يقوم عليها الإسلام، فإن هناك أمورًا كثيرة مبنية على هذه الأركان، وهي كثيرة لدرجة لا تُحصى. ومن بينها يمكننا أن نذكر: مواساة الناس، وتلبية احتياجاتهم، وتقديم المساعدة للفقراء والمحتاجين والمعوزين.
قال الله عز وجل: «ليس البر أن توجه وجهك نحو المشرق أو المغرب؛ بل البر هو من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والأنبياء؛ الذي ينفق من ماله، رغم حبه له، على الأقارب واليتامى والمساكين وابني السبيل والمعوزين ولإعتاق الرقيق؛ الذي يقيم الصلاة ويؤدي الزكاة؛ الذي يفي بوعوده عندما يقطعها؛ الصابر في الشدائد، وفي المصائب، وفي أشد لحظات الكفاح. أولئك هم الصادقون، وأولئك هم المتقون» (القرآن 2:177).
هذا هو جوهر الإسلام: «من ينفق من ماله، رغم حبه له». أي أنك تنفق من مالك رغم تعلقك به، وتبقى سليمًا وحذرًا، كما قال في هذه الآية: «ويطعمون، رغم حبهم له، الفقير واليتيم والأسير، [قائلين]: نطعمكم فقط لوجه الله. لا ننتظر منكم أجرًا ولا شكرًا» (القرآن 76:8-9).
يا عباد الله، «الدين» كلمة واسعة النطاق يشمل معناها كل أنواع الخير. ويُعرّف أهل التصوف الدين بأنه الارتباط بالخالق والإحسان إلى المخلوقات. وقد استخدموا مصطلح «المخلوقات» ليشمل جميع أنواع المخلوقات، وهذا يشمل الإحسان إلى الحيوانات ورعاية الكوكب. يُروى في حديث صحيح أن رجلاً رأى كلباً يأكل التراب من شدة عطشه، فخلع حذاءه وبدأ يسقيه منه حتى أروى عطشه، فشكره الله وأدخله الجنة. تأملوا قصة هذا الرجل. هل دخل الجنة بفضل صلاته وصومه المتكررين؟ بل كان ذلك بسبب حيوان عامله بلطف، لا أكثر. وعلى العكس من ذلك، لدينا امرأة دخلت النار بسبب قطة، لم تطعمها أو تسقيها عندما حبستها، ولم تسمح لها بأكل الحشرات الموجودة في الأرض. وهكذا، من عمل خيراً بوزن ذرة، فسيراه، ومن عمل شراً بوزن ذرة، فسيراه.
أيها المؤمنون! الإحسان إلى المخلوقات قد يكون مادياً أو غير مادي. فقد يكون الإحسان نصيحة، أو إرشاداً لشخص ما، أو زيارة مريض، أو قرضاً، أو مساعدة شخص مظلوم، أو تعليم جاهل، أو إطعام الفقراء، أو كلمة لطيفة، أو أي شيء آخر. في الحديث: «من خفف عن مؤمن همًا من أمور الدنيا، خفف الله عنه همًا يوم القيامة. ومن ييسر الأمر على شخص في ضيق، ييسر الله له الأمر في الدنيا والآخرة. ومن ستر مسلماً، ستره الله في الدنيا والآخرة. والله يعين العبد ما دام العبد يعين أخاه».
اللهم، اهدنا إلى الخير وساعدنا على ممارسته، واجعلنا حاجزاً أمام الشر وبوابةً للخير. اللهم، أملأ احتياجات جميع الناس ما دامت خيراً، وأزل الظلم عن المظلومين، وادعم الضعفاء أينما كانوا. آمين.
Español

