الحمد لله، الذي جعل الليل والنهار يتعاقبان لمن أراد أن يتذكر أو يشكر، وجعل بعض الشهور والأيام مميزة عن غيرها. نحمده ونعظمه دائمًا. له كل الحمد، وله كل النعم، وإليه ترجع جميع الأمور الخفية سواء كانت سرية أو علنية.
أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا ﷺ عبده ورسوله.
أيها المسلمون، ورد عن أسامة بن زيد، رضي الله عنهما، أنه قال: «قلت: «يا رسول الله، لم أرك تصوم في شهر ما كما تصوم في شهر شعبان». فقال: «هذا شهر يهمله الناس، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترتفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، ولذلك أحب أن ترتفع أعمالي وأنا صائم»». وكان رسول الله ﷺ يدعو راوي هذا الحديث، سيدنا أسامة بن زيد، بـ«الحيبو بن الحيب» (الحبيب، ابن الحبيب). ويمكن استخلاص من هذا الحديث النبيل أنه عندما يهمل الناس عملًا من أعمال العبادة، فإن أجر القيام به يكون عظيمًا. كما قال النبي ﷺ: «هذا شهر يهمله الناس». وعندما قال في حديث آخر: «[…] وصلوا في الليل بينما الناس نائمون. فلا ينتبه إلى الخير المهمل أو المهمل إلا أفضل الناس».
أيها المؤمن، لا تكن من الذين يهملون فضائل هذا الشهر النبيل، شهر شعبان، وكن من الذين يكرمونه بالأعمال الصالحة التي ترتقي إلى الله. قال الله تعالى: «إليه ترتفع الكلمة الطيبة، والعمل الصالح يرفعه».
إنه شهر يسعى فيه العلماء والصالحون إلى فعل الخير ويتنافسون على بلوغ أعلى الدرجات استعداداً لشهر رمضان. قال أبو بكر البلخي: «شهر رجب هو شهر البذر، وشعبان هو شهر سقي البذور، ورمضان هو شهر الحصاد. ومن أهمل البذر والري، فلن يحصد يوم الحصاد سوى التوبة والحزن، وعندئذٍ لن تنفعه التوبة في شيء».
من فضائل شهر شعبان أن الله عز وجل يغفر فيه الذنوب. وقد ورد عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل الله في ليلة منتصف شعبان ويغفر لجميع خلقه، إلا المشركين والمعتدين».
قال الله عز وجل: «إن ربك واسع المغفرة». وقال أيضًا: «ورحمتي تشمل كل شيء». وقد استُثني في الحديث اثنان: المشرك والمعتدي، فإن الله عز وجل يريد من عبده الطهارة في علاقته به وبعباده. فالعلاقة بين المشرك والله مشوبة بالشرك، والعلاقة بين المعتدي والناس مشوبة بالكراهية.
كما أن من أكبر الذنوب الشرك. يقول الله تعالى: «إن الله لا يغفر أن يشرك به شيئًا، ولكنه يغفر من يشاء غير ذلك. ومن يشرك بالله فقد افترى افتراءً عظيمًا».
تصبح الأعمال غير مجدية بسبب الشرك والكفر. يقول الله تعالى: «أما الذين كفروا فأعمالهم كسراب في السهل، يظنه العطشان ماءً، فإذا وصل إليه لم يجد شيئًا، بل يجد الله عنده، فيجزيه حسابه. إن الله سريع الحساب».
الخطيئة تحرم صاحبها من المغفرة. وإذا استقرت في القلب، فإنها تُسمى كراهية وحقد وحسد، وتؤدي إلى قطع رباط القرابة، وانعدام الانسجام، والانفصال، والشقاق. وإذا انتقلت من القلب إلى اللسان، تتحول إلى شتائم وشجارات وفجور. وإذا وصلت إلى الفعل، تتحول إلى نزاع وصراع وظلم. وإذا كان الإسلام قد حرم العداوة بين شخصين، فإن الأمر يصبح أشد خطورة عندما يحدث بين عائلتين أو جماعتين. ويمكن أن يحدث بين دولتين ويؤدي إلى حروب مدمرة لا تنطفئ نيرانها أبدًا.
المشركون والمخالفون محرومون من مغفرة الذنوب في كل الأوقات، وليس فقط في شهر شعبان. ويرد في حديث آخر: «تُفتح أبواب الجنة يومي الاثنين والخميس. يغفر الله لكل عبد لا يشرك شيئًا معه، عز وجل، إلا من كان على خلاف مع أخيه، فيُقال: انتظروا حتى يتصالحوا، وكرر ذلك ثلاث مرات». لقد فرض الله عز وجل علينا الصيام في شهر شعبان لأن الصيام مدرسة تربينا، لكننا لا نفهم الصيام إلا على أنه الامتناع عن الأكل والشرب. فإذا شتمك أحد أو سبّك وأنت صائم، فلا ترد عليه لأنك صائم، وهذا يقلل من النزاعات والعداوة. ولهذا السبب فُرض الصوم، ليكبح الصائم لسانه ويكبح يده. قال النبي ﷺ: «المسلم هو الذي أمان المسلمون من لسانه ويده». وقد نهانا نبينا ﷺ عن الحسد والكراهية، وأمرنا بأن نكون إخوة حتى نكون من أهل التقوى وأهل المغفرة. وقال: «لا تحسدوا بعضكم بعضًا، ولا تتنافسوا في الإيقاع بالآخرين، ولا تبغضوا بعضكم بعضًا، ولا تديروا ظهوركم لبعضكم، ولا تعرضوا البضاعة على المشتري بعد أن يكون قد اتفق مع البائع على الشراء، وكونوا، يا عباد الله، إخوةً». وقد سدّ النبي ﷺ جميع الطرق المؤدية إلى النزاعات والفتنة، وقال: «احذروا الشك، فإن الشك أكره الكلام». وقال الله عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا! اتركوا كثيرًا من الظنون. فإن بعضها إثمٌ».
حتى لو كانت هناك عداوة حقيقية تجاهنا، فلا ينبغي لنا أن نرد بالمثل. ألم يقل نبينا ﷺ: «لا يجوز للمسلم أن يقطع صلة أخيه لأكثر من ثلاثة أيام — بل وقال — وأفضلهم من يبادر بالسلام»؟ فمن يبادر بالسلام دائمًا له مرتبة أعلى من الآخرين. ولا يُوصف بالجبان أو الخائف، بل هو الشجاع الذي غلب نفسه وهزم الشيطان. قال الله تعالى: «إن الشيطان يريد أن يثير بينكم العداوة والبغضاء».
اللهم، لا تحرمنا من خير شهر شعبان، ومن المغفرة والرحمة التي في هذا الشهر، وتقبل صيام الصائمين. اللهم، طهر قلوبنا من العداوة والكبرياء والحقد والكراهية، وامنحنا الغلبة على أنفسنا وعلى شهواتنا.
اللهم، اغلق علينا أبواب الفتنة والفتنة والشرك والحسد، واهدنا إلى اتباع نبينا ﷺ، واهد أبناءنا، واهدهم إلى سنة نبيك ﷺ، واحفظهم من الفجور والضلال، ومن الشياطين، سواء كانوا من البشر أو الجن، وامنح النصر لأولئك الذين ما زالوا يموتون ظلماً وبشكل عدواني على مرأى من العالم. كن حاميهم، وعونهم، وسندهم، وارحم شهداءهم، وكبارهم، وشبابهم، ونساءهم، وأطفالهم. اللهم، اهزم المعتدين الظالمين، وادعم المظلومين في كل مكان، وأوقف إراقة دماء جميع الشعوب، وكن كريماً وراقبهم بأعينك التي لا تنام أبداً، وارحمهم برحمتك التي تشمل كل شيء. آمين
Español

