Hafid Malik del Pozo

فضائل راياب

الحمد لله الذي فضَّل بعض الأيام على غيرها، وبعض الليالي على غيرها، وبعض الأشهر على غيرها؛ والتي ميزها بمزيد من الفضل والشرف والتقديس، وهدانا إليها لننال الرحمة والبركات.

وأشهد أنه لا إله إلا الله، الواحد الذي لا شريك له.
وقد ميزنا بأفضل كتاب نُزل، وكرمنا بأفضل الأنبياء المرسلين، وأتمّ لنا النعمة بأعظم الطرق المشروعة.

وأشهد أن سيدنا ونبينا ومرشدنا وقائدنا ومثالنا، محمد، هو عبده ورسوله ﷺ، وأقرب الناس إليه، ومختاره، ومحبوبه.
لقد أوفى بالأمانة، ونقل الرسالة، ونصح الأمة، وزال الكرب، وجاهد في سبيل الله جهادًا حقيقيًّا حتى جاءه اليقين.

يا الله!
بارك في سيدنا محمد ﷺ وسلّم عليه ورحمه، ودع عليه دعاءً تنجينا به من كل مخاوف ومصائب، وتلبي به كل احتياجاتنا، وتطهرنا به من كل ذنوب، وترفعنا به إلى أعلى الدرجات، وتجعلنا نبلغ أسمى غايات كل خير، في الدنيا والآخرة؛
وبارك في آل بيته الطاهر، وأصحابه الكرام، وأتباعه الصالحين، وجميع من يسيرون على طريقه حتى يوم القيامة.

أيها المسلمون!

ها نحن نودع أحد الأشهر المباركة التي ميزها الله عن بقية الأشهر.
يقول الله تعالى:

«إن عدد الأشهر عند الله اثنا عشر شهراً، في كتاب الله، منذ اليوم الذي خلق فيه السماوات والأرض؛ منها أربعة أشهر محرمة. تلك هي العبادة الصحيحة، فلا تظلموا أنفسكم فيها».

إذا كان الظلم محظورًا في كل الأوقات، فإنه محظور بشكل أكبر في هذه الأشهر.
لماذا؟ لأنه مثلما تتضاعف المكافآت على الأعمال الصالحة، يتضاعف العقاب على الأعمال السيئة أيضًا.

لقد حدد الله، سبحانه وتعالى، أوقاتًا يفتح فيها لنا أبواب المظاهر والنفحات الإلهية، ومن بينها هذا الشهر المبارك الجليل: شهر رجب.

رجب شهر عظيم؛ فقد عظمه الله، وأكرمه رسول الله ﷺ.
وعندما يحل شهر رجب، كان النبي ﷺ يدعو قائلاً:

«اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وألحقنا برمضان».

وفي راياب وقع الحدث العظيم، المعجزة الخالدة: الإسراء والمعراج.

يجب أن يظل هذا الحدث حياً في أذهاننا وقلوبنا.
علينا أن نرويه لأبنائنا لما يحويه من أدلة على عظمة هذا الدين، وللدروس والعبر التي ينطوي عليها، ولفضائل هذه الجماعة المحمدية، وللشرف الذي أُسبغ على رسول الله ﷺ.
والشرف الذي ناله الرسول هو شرف لنا، لأننا أمة الرسول، فقد بلغ في تلك الرحلة ما لم يبلغه أحد قبله ولا بعده.

تم نقلك من مزار إلى آخر في الليل،
كما يخترق القمر البدر الظلام.

واصلت الصعود حتى وصلت إلى مرحلة
لم يسبق لأي حلم أن بلغها أو يتخيلها،
حتى وصلت إلى سماء بعيدة المنال،
لا يمكن الوصول إليها لا بالأجنحة ولا سيرًا على الأقدام.

فقال: «لكل نبي مرتبته،
وأما أنت يا محمد، فهذا هو العرش: تقدم».

لقد أظهر لنا هذا السفر —وجعلنا ندرك— قيمة النبي مصطفى ﷺ.
ولذلك، فإن هذا الشهر هو الشهر المناسب لتذكره، وتذكر هذا السفر، واستخلاص العبر منه، والتأمل في أحداثه.
والرأي السائد هو أنها وقعت في هذا الشهر، على الرغم من اختلاف العلماء حول اليوم المحدد؛ حيث يشير الغالبية إلى أنها كانت ليلة اليوم السابع والعشرين، وهي هذه الليلة.

يا أيها المسلمون!
في لحظات كهذه نتذكر أهمية اغتنام الفرصة التي يتيحها لنا الزمن، وأن نعيش اللحظة، وأن نكون يقظين أمام الله، وأن نقيّم أفعالنا، وأن نحاسب أنفسنا.

يُذكر في أحد الأحاديث:
«يا ابن آدم! لقد خلقتك للعبادة، فلا تلعب».

لقد خُلقت لتعبد الله، والعبادة تتخذ أشكالاً عديدة؛ فهي لا تقتصر على الصلاة والصوم فحسب.
بمعنى أن كل حركاتك يجب أن تكون عبادةً لله، ساعياً من خلالها إلى التقرب إليه بإخلاص.
وكل ما يشتت انتباهك عن الله بالتسلية الباطلة هو حجاب يبعدك عنه.

أقول ما سمعتموه وأستغفر الله.
فاستغفروا ربكم، فإنه سيغفر لكم.


الحمد لله، والصلاة والسلام على أكرم الرسل، إمام المتقين، سيدنا محمد ﷺ، وآله وصحبه ومن تبعهم.

يا عباد الله!

أحثكم —وأحث نفسي— على التقوى من الله، فإن التقوى تشمل الدين كله، وبها نصل إلى الله.

يا أيها المسلمون، هذا الشهر هو أيضًا شهر الله.
وهناك حديث، يُنسب إلى النبي ﷺ، يُختلف حول صحة سنده، يقول:

«رجب هو شهر الله، وشعبان هو شهري، ورمضان هو شهر أمتي».

شهر رياض هو شهر التوجه نحو الله، والتقرب إليه، والرجوع إليه، والتوبة.
وفيه تُزرع بذور مخافة الله والرجوع الصادق إليه.

ثم يأتي شهر شعبان، شهر رسول الله ﷺ.
لماذا يُعتبر شعبان شهره؟
لأنه شهر الصلاة على النبي، حيث أن كلمة الله قد نزلت فيه:

«إن الله وملائكته يصلون على النبي؛ فصلوا عليه أيها المؤمنون، وسلّموا عليه».

ثم يأتي رمضان، شهر هذه الأمة، الذي تُنال فيه الرحمة، وتُخفف فيه المحن، ويُرجع فيه إلى الله فيقبل التوبة، ويُنقذ فيه من النار.
فليجعلنا الله من المنقذين من النار في رمضان.

قال الحكماء:

رياب هو شهر البذر،
وشعبان هو شهر الري،
ورمضان هو شهر الحصاد.

ازرع اليوم في شهر رجب بذور مخافة الله، وسقها بالصلاة على رسول الله ﷺ، واطلب المغفرة، وتوب، وادخل من باب الرسول؛ فستجد الخير في رمضان.

من بين أفضل الأعمال في هذا الشهر —الذي لم يتبق منه سوى ثلاثة أو أربعة أيام— الإكثار من التوبة والاستغفار، والاستعداد منذ الآن لشهر رمضان.
كما أُوصي بالصيام في هذا الشهر، فقد قال النبي ﷺ:

«صوموا في الأشهر الحرم واتركوا (بعض الأيام)».

أما بالنسبة لشعبان، شهر رسول الله ﷺ، الذي سيحل قريبًا، فقد قالت عائشة —رضي الله عنها—:

«لم أرَ رسول الله ﷺ يكمل صيام شهر كامل إلا رمضان، ولم أره يصوم إلا في شعبان».

يا الله! بارك لنا في رجب وشعبان، واجعلنا نبلغ رمضان.
نسأل الله التوفيق للجميع في القيام بأفضل الأعمال التي تقربنا منه.
نسأل الله أن يخرجنا من حالة الإهمال والكسل إلى حالة اليقظة والعمل.
وأن يجعلنا من الشاكرين العاملين، لا من الجاحدين المتذمرين الذين لا يفعلون سوى الكلام.