أيها
المسلمون!
يقترب موسم الحج من نهايته. وها هم آخر الحجاج، الذين مكثوا في منى لمدة ثلاثة أيام ورجموا الجمارة للمرة الأخيرة، يستعدون الآن لحزم أمتعتهم للتوجه إلى المدينة المنورة في الأيام القليلة المقبلة، مدينة النبي، لزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورغم أن هذا الجزء من الرحلة، أي زيارة قبر رسول الله، ليس، بالمعنى الدقيق للكلمة، من ركائز الحج، إلا أنه جزء من الرحلة لا ينبغي لأي مسلم أن يفوته، ويُعتبر إجماعاً من العلماء عملاً مستحباً.
يقول القاضي عياض في كتابه «الشفاء»:
«زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم هي سنة للمسلمين، وقد اجتمع العلماء على ذلك، وهي من البر الذي يُشجَّع عليه».
وقال الإمام النووي:
«اعلم أن كل من يحج يجب عليه أن يزور رسول الله، سواء كان في طريقه أم لا، لأن زيارته من أهم وسائل التقرب إلى الله، ومن أكثر الأعمال ربحًا، ومن أفضل ما يمكن أن يُطلب.»
وهناك من يقلل من أهمية زيارة رسول الله، ولا يعتبرها جائزة إلا إذا كانت النية الأساسية هي الصلاة في مسجد رسول الله، وليس زيارة قبره. ومع ذلك، فقد دأب جميع المسلمين المخلصين، منذ عهد الصحابة، على الذهاب إلى المدينة المنورة لمجرد زيارة نبيهم الحبيب (صلى الله عليه وسلم).
عندما توفي النبي صلى الله عليه وسلم، شعر بلال بأنه مضطر لمغادرة مدينة النبي لأن كل شيء هناك كان يذكره بغياب حبيبه، فعاش لسنوات عديدة في سوريا، وشارك في معارك عديدة، ولم يعد إلى المدينة المنورة طوال تلك الفترة. ثم، في إحدى الليالي، رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال له: «لماذا هذه المسافة يا بلال؟ ألم يحن الوقت لتأتي وتزورني؟». فما إن استيقظ بلال حتى جمع أمتعته وانطلق إلى المدينة المنورة، متوجهاً مباشرةً إلى قبر رسول الله.
ومن من المؤمنين المخلصين والمحبين يمكنه أن يرفض القيام بمثل هذه الزيارة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«من زارني بعد وفاتي، فكأنما زارني في حياتي».
كما قال في حديث رواه ابن عمر:
«إذا حججتم وزرتموني بعد وفاتي، فسيكون ذلك كأنكم زرتموني في حياتي وكنتم في صحبتي».
لذلك، فإن أي زيارة للنبي، خاصة تلك التي تتم أثناء الحج، هي كزيارة له في حياته والتواجد في حضرته، فمن هو المسلم المخلص الذي يرغب في تفويت هذه الفرصة؟ بالنسبة لكثير من المسلمين، لا تتاح مثل هذه الفرصة إلا مرة أو مرتين في حياتهم، فكيف يمكن لأحد أن يقول إنه لا يجوز السفر لغرض وحيد هو زيارة قبر رسول الله؟
ولا جدال في ذلك، بل إننا نشجع على زيارة قبور المسلمين عمومًا، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«كان يمنعكم من زيارة القبور، أما الآن فعليكم زيارتها لأنها تذكركم بالآخرة».
وكان هو نفسه (صلى الله عليه وسلم) يزور بانتظام قبور أصحابه في مقبرة البقيعة، فكيف لا يكون الأمر كذلك مع قبر خير الخلق؟
ومن فوائد زيارة النبي صلى الله عليه وسلم أنه عندما تسلم عليه، فإنه يرد عليك السلام. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«لا يحييني أحد عند قبري إلا أن يرد الله روحي إليّ لأرد عليه التحية».
وأجر زيارة النبي (صلى الله عليه وسلم) يعادل أجر أداء الحج مرتين. قال النبي (صلى الله عليه وسلم):
«من حجّ إلى مكة ثم جاء لزيارتي في مسجدي، كُتب له حجان مقبولان».
وقد تعهد النبي صلى الله عليه وسلم بالشفاعة والشهادة لصالح كل من يزوره في قبره. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«شفاعتي واجبة لكل من زار قبري».
من ناحية أخرى، فإن عدم زيارته يعد إهمالاً كبيراً في الأدب. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«من حجّ ولم يزورني، فقد تجنبني / ابتعد عني.»
نسأل الله أن يبارك الحجاج، وأن يتيح لنا الذهاب إلى بيته، وأن يمنحنا الفرصة لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
*******
يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
«يا أيها الذين آمنوا، اتقوا الله وابحثوا عن سبل التقرب إليه». [القرآن 5:35]
على كل من يزور رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلم أن هناك عددًا من آداب الزيارة التي يجب مراعاتها، كما نقلها إلينا جميع أولياء الله الكرام.
أولاً وقبل كل شيء، يجب أن تبدأ بتلاوة الصلوات على النبي منذ أن تبدأ في التوجه نحو المدينة المنورة وحتى تدخلها. وعند وصولك إلى المدينة، يجب أن تحيي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتدعو الله أن يمنحك كل فائدة من هذه الزيارة. ومن الدعاءات التي أوصى بها الإمام النووي ما يلي:
«اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وامنحني في زيارة قبر نبيك ما منحته لأوليائك وأهل الطاعة. اغفر لي وارحمني، يا من هو خير من نسأل!»
ثم اذهب فورًا، أو بأسرع ما يمكنك، إلى المسجد النبوي، لأنه مضيفك، وأول ما يجب على الضيف فعله هو تحية مضيفه.
قال ابن حبيب، كما روى القاضي عياض:
«عندما تدخل المسجد النبوي، قل:
«بسم الله» و«السلام على رسول الله. السلام علينا من ربنا. الله وملائكته يباركون محمدًا. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وافتح لنا أبواب رحمتك وجنتك ونجنا من الشيطان الرجيم!»
ثم يجب أن تتوجه إلى الروضة، وهي ذلك الجزء من المسجد الواقع بين القبر والمنبر، وتصلي ركعتين.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«المنطقة الواقعة بين قبري والمنبر هي إحدى روضات الجنة. ومنبري في إحدى حدائق الجنة المرتفعة».
ثم عليك أن تقف أمام القبر بتواضع واحترام، وتسلّم عليه وتستغفر له. ثم سلّم على أبي بكر وعمر وادعُ لهما. وينبغي أداء الكثير من الصلوات في مسجد النبي، ليلاً ونهاراً.
ولا تنسَ الذهاب إلى مسجد القبة وأضرحة الشهداء."
وعندما تقف أمام قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ترفع صوتك. يروي القاضي عياض في كتابه «الشفاء» أن أبا جعفر، أمير المؤمنين، كان يتجادل مع الإمام مالك في المسجد النبوي، حتى قال مالك:
«يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد. فقد علم الله الناس الأدب بقوله: «لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي». [القرآن 49:02] وأثنى على الآخرين بقوله: «أَمَّا الَّذِينَ يَخْفِضُونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فَأُولَئِكَ أُمَّاتٌ أَمَّنَّ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِالتَّقْوَى» [القرآن 49:03] وانتقد آخرين بقوله: «أما الذين ينادونكم من خارج غرفكم، فإن معظمهم لا يستخدمون عقولهم». [القرآن 49:04] والاحترام الواجب له بعد وفاته هو نفسه الذي كان واجباً له في حياته."
فأصمت أبو جعفر أمام هذا الكلام، ثم سأل مالك: هل ينبغي له أن ينظر إلى القبلة عند الدعاء أم إلى رسول الله؟ فأجاب مالك:
«لماذا تدير وجهك عنه وهو وسيلتك إلى الله، ووسيلة سلفك آدم أمام الله يوم القيامة؟ انظر إليه واطلب شفاعته، وسيمنحه الله الشفاعة. يقول الله تعالى:
«لو أنهم، عندما ظلموا أنفسهم، جاءوا إليك واستغفروا الله، فاستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله غفوراً رحيماً» [القرآن 4:64]
نسأل الله أن يزيد حبنا لرسول الله!
نسأل الله أن نرسل السلام على رسول الله وأن يجمعنا معه في الجنة.
ونسأله أن يمنحنا شفاعته يوم القيامة!
آمين.
Español

