أيها المسلمون، اليوم هو يوم نعبر فيه عن امتناننا للنعم التي أنعم الله علينا بها، وهو يوم للاحتفال. إن نعم الله علينا لا تُحصى: الصحة، والاستقرار، والرزق، والأسر، والرفقة الطيبة، وما إلى ذلك، ولكن هناك نعمة تفوق جميع النعم الأخرى بكثير. وهي الهداية التي منحنا إياها، الإسلام، دين الله. وكما نقول غالبًا: «الحمد لله على نعمة الإسلام، وهي نعمة كافية».
من بين جميع مخلوقات الله الكثيرة، التي تعيش وعاشت على وجه الأرض، اختار الله كل واحد منا الجالس هنا هذا الصباح ليكون جزءًا من أمة رسوله. يقول الله تعالى:
«قُلْ: فليفرحوا بنعمته ورحمته، فذلك خير مما يجمعون».
ونعمة الله، حسب تفسير المفسرين، هي الإسلام، ورحمته هي رسوله أو الرسالة التي جاء بها، أي القرآن الكريم. فهي الوسائل التي تقود إلى رضا خالقنا وإلى جنات النعيم. ولذلك، فإن السبب الرئيسي للفرح وأعظم سبب للاحتفال هو هداية الإسلام والانتماء إلى أمة محمد، صلى الله عليه وسلم.
ولهذا فإن الأيام التي منحنا إياها الله للاحتفال، عيدينا، ترتبط ارتباطًا مباشرًا باثنين من الأركان العظيمة التي يقوم عليها الإسلام: أحدهما عند انتهاء الصيام الفرضي في شهر رمضان، والآخر عند انتهاء فريضة الحج في شهر ذي الحجة. لذلك، نحتفل بالعيدين لنُظهر امتناننا لله ونعبر عن فرحتنا لأننا حظينا بالفرصة والقوة للمشاركة في تلك العبادات العظيمة أو إتمامها، وهي التي تجعلنا مسلمين وتميّزنا عن بقية المخلوقات.
ونحتفل اليوم أيضًا بالرحمة التي أظهرها الله لنا بإكمال ديننا، لأنه خلال هذه الأيام، أثناء حج الوداع الذي قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنزل الله الآية التالية على النبي صلى الله عليه وسلم:
«اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينًا». ولذلك، فلا يوجد جانب من جوانب حياتنا لم يوجهنا الله إليه. وعلى عكس أولئك الذين يفتقرون إلى الهداية، لا نضطر إلى أن نتجول في حيرة وشك، غير واثقين من مكاننا في الوجود وغير متأكدين مما يجب علينا فعله. فلدينا هداية واضحة ودين كامل يرضى الله عنه. فكيف لا نكون سعداء؟
من خلال فريضة التضحية، نحتفل بالرحمة التي أظهرها الله لخليله إبراهيم عندما عفا عن ابنه إسماعيل، أبو العرب وسلف رسول الله، واستبداله بكبش، ونحتفل بدرجة الطاعة المطلقة، والثقة بالله، والخضوع التام لإرادة ربه التي أظهرها إبراهيم باستعداده للتضحية بابنه. وبهذا الفعل، أظهر إبراهيم معنى أن تكون مسلماً حقاً، فالإسلام هو الخضوع المطلق لله؛ وقبول أن أفضل ما لك هو ما يريده ربك ويأمر به.
نسأل الله أن يتقبل صلاتنا وتضحيتنا، وأن يباركنا وجميع الأمة في هذا اليوم.
******
والأمر الثاني المذكور في الآية السابقة الذي ينبغي أن يكون مدعاة لفرحنا هو رحمة الله، والتي، كما قلنا، تشير إلى القرآن أو إلى الرسول الذي جاء به. يقول الله، مخاطباً النبي: «ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».
نحن، أيها المسلمون، محظوظون للغاية لكوننا جزءًا من أمة محمد، ذروة الخلق، أول الأنبياء خلقًا وآخرهم إرسالًا، الذي تُقبل شفاعته، وبها تُفتح أبواب الجنة للمؤمنين. نحن محظوظون للغاية لكوننا جزءًا من أفضل أمة شهدها العالم. إن الانتماء إلى أمة محمد شرف عظيم لدرجة أن الرسل السابقين، بمن فيهم آدم وموسى، تمنوا لو كانوا جزءًا من أمته. وفي حديث رواه أبو هريرة، يذكر موسى العديد من النعم التي أنعم الله بها على هذه الأمة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما نال موسى التوراة، قرأها فوجد فيها وصفًا لهذه الأمة، فقال: «يا ربي، لقد وجدت في الألواح أمةً ستكون آخر الناس، ولكنها أيضًا السلف. اجعلها أمتي». فأجاب الله: «تلك هي أمة أحمد».
فقال موسى: «يا ربي، لقد وجدتُ في الألواح أمةً ستكون شفيعةً، بل وسيُشفع لها أيضًا. فاجعلها أمتي». فأجاب الله: «تلك هي أمة أحمد».
قال موسى: «يا ربي، لقد وجدتُ في الألواح جماعة ستستجيب وستُستجاب لها (دعواتها). فاجعل هذه جماعتي». فأجاب الله: «هذه هي جماعة أحمد».
قال موسى: «يا ربي، لقد وجدتُ في الألواح جماعةً سيكون كتابها المقدس في قلوبهم، ويقرؤونه كما لو كان أمامهم. فاجعل هذه جماعتي». فأجاب الله: «هذه هي جماعة أحمد».
قال موسى: «يا ربي، لقد وجدتُ في الألواح جماعة سيُسمح لها بأخذ الغنائم. فاجعل هذه جماعتي». فأجاب الله: «هذه هي جماعة أحمد».
قال موسى: «يا ربي، لقد وجدتُ في الألواح جماعةً ستُسمح لها بالمشاركة في الغنائم التي تُعطى في سبيل الله وتناولها، ومع ذلك تُكافأ على ذلك. فاجعل هذه جماعتي». فأجاب الله: «هذه هي جماعة أحمد».
قال موسى: «يا ربي، لقد وجدتُ في الألواح جماعةً تُكافأ بعمل صالح عندما تنوي فعل عمل صالح دون أن تنفذه، وتُكافأ بعشرة أعمال صالحة عندما تنفذه فعلاً. اجعل هذه جماعتي». فأجاب الله: «هذه هي جماعة أحمد».
فقال موسى: «يا ربي، لقد وجدتُ في الألواح جماعةً لا تُحسب عليها أي سيئة إذا نوتُّ فعل سيئةً دون أن تفعلها، ولا تُحسب عليها سوى سيئة واحدة إذا نفذتها فعلاً. اجعل هذه جماعتي». فأجاب الله: «هذه هي جماعة أحمد».
قال موسى: «يا ربي، لقد وجدتُ في الألواح جماعة سيُمنحون معرفة البداية والنهاية، وسيحاربون الدجال خلال سنوات الضلال. اجعل هذه جماعتي». فأجاب الله: «هذه هي جماعة أحمد». فقال موسى: «يا ربي، اجعلني من جماعة أحمد». فأجاب الله: «لقد اخترتك أنت من بين جميع البشر لرسالتي وكلمتي. خذ ما أعطيتك وكن شاكراً». فقال موسى: «أنا راضٍ، يا ربي».
نشكر الله على إرشادنا إلى الإسلام وجعلنا جزءًا من أمة نبيه الحبيب. نسأل الله أن يغمر جميع المسلمين برحمته. نسأل الله أن يبارك عائلاتنا ويحفظها.
Español

