الحمد لله، الذي خلق الإنسان من طين، ورفع من شأنه، ونفخ فيه روحه، ووضع آيات في خلقه ليتسنى له الوصول إليه.
وفي كل شيء بلا استثناء توجد علامة تدل على الله.
أشهد أنه لا إله إلا الله، الواحد، الذي لا شبيه له، وأن محمدًا عبده ورسوله، قائد الأوائل والأخيرين، وخاتم الأنبياء والرسل.
أيها المسلمون! اتقوا الله وعبدوا ربكم وتوبوا إليه، لعلّكم تنجحون.
اعلموا أن جوهر معرفة الله هو أفضل ما توصلت إليه العقول، فهو أعلى درجات المعرفة وقمتها.
قال الله عز وجل: «أدرك أنه لا إله إلا الله، واطلب المغفرة لذنوبك وللمؤمنين والمؤمنات». إن عبارة «لا إله إلا الله»، التي هي مفتاح الدخول إلى الإسلام والإيمان والجنة، يجب أن يسبقها العلم، لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالبحث عن العلم قبل بلوغ التوحيد، لأن التوحيد لا يترسخ في القلوب إلا من خلال العلم والعلوم. أول ما يجب على كل شخص مكلف (مسؤول) فعله هو معرفة الله عز وجل. وقد أمضى نبينا ﷺ ثلاثة عشر عامًا في مكة يدعو باستمرار إلى التوحيد، وإلى معرفة الله، والابتعاد عن الأصنام والعادات السيئة التي انتشرت بين الناس قبل مجيء الإسلام. سأل النبي ﷺ أوبي بن كعب، رضي الله عنه: «هل تعلم ما هي أفضل آية في القرآن؟». فأجاب: «الله لا إله إلا هو الحي القيم». عندها ضرب النبي ﷺ صدره بيده وقال له: «أحسنت، لك العلم!»، وكرر ذلك مرتين.
يتضح من هذا الحديث المنهج الذي كان يتبعه النبي ﷺ في تعليم العلم، ولا سيما علم التوحيد، لأنه الأساس الذي تُبنى عليه الركائز الأخرى. فالصلاة والزكاة والحج والصيام كلها تقوم على التوحيد. فإذا كانت الأساس متينة، كان كل ما عداها متينًا؛ أما إذا كانت الأساس ضعيفة، فكل ما عداها ضعيف. ومن ناحية أخرى، يؤكد هذا الحديث مكانة آية الكرسي. وقد وردت أحاديث كثيرة عن قراءتها وتلاوتها بانتظام، وهي وسيلة للحماية من الشيطان لمن يقرأها صباحًا ومساءً، وبعد الصلوات الخمس اليومية. لأنها تشمل علم التوحيد وعلم معرفة الله حق المعرفة.
ولهذا السبب رفع الله، سبحانه وتعالى، أصحاب العلم درجات، وقال: «سيُرفع الله منكم، من آمن ومن علم». وهذا، من بين أمور أخرى، لأنهم يعبدون الله عز وجل بعلم وحكمة.
وكذلك، جعل الله هذا الأمر شاهدًا عليه، قائلاً: «يشهد الله أنه لا إله إلا هو، وكذلك الملائكة وأصحاب العلم، وهو يحكم (مخلوقاته) بالعدل».
كل ما سبق هو لأن أصحاب العلم يعرفون ربهم معرفة حقيقية. ولا يمكن تحقيق العبادة الصحيحة إلا بمعرفة الخالق؛ وإلا فإن العبد سيكون سطحيًا في عبادته، وستكون صحة أفعاله العبادية مشكوكًا فيها، وعرضة للتخلي عن الأعمال التي أُمر بها كواجب فردي.
فيصبح العبد عندئذ كسولاً، ويظهر تشتتاً وسطحيةً في صلواته لأنه لا يدرك حقاً لمن يسجد. قال الإمام اليونيد: «إذا تزايدت معرفتك بالله وامتلأ قلبك بها، فسيهدأ هذا القلب عند ذكرك له، وستدور تجربتك حول الله، وستنير معرفتك به. وعندئذٍ ستتمكن من تذوق معرفة الحقيقة (الحقيقة)».
أيها المؤمنون! عليكم أن تولوا اهتمامًا خاصًا بتعليم الأطفال المعرفة الصحيحة بالله، القائمة على العقيدة الصحيحة التي تجمع بين وصف الله بما يليق بجلاله، وفصله عن الصفات التي لا يجوز وصفه بها، والتي لا تليق بمن يتصف بالجمال والكمال، والعظمة والجبروت. سبحانه، له العظمة والمجد والسيادة والسمو.
وهذه هي العقيدة الأشعرية المستمدة من القرآن والسنة. فهذه العقيدة، بعيدًا عن تشبيه الله بمخلوقاته وإبطال صفاته، تتوقف عند حدود الله التي تتجاوز نطاق العقول، محصنة ضد الشهوات والضلال، خالية من الجدال والخلافات. وهي تبشر بالخير ولا تثير الخوف. قال النبي ﷺ: «من كان في قلبه وزن ذرة من الإيمان، فسيُخرج من النار».
يا عباده! إن معرفة الله هي أساس الدين وأساس الإيمان، فكيف يمكننا بلوغ ذلك؟ وكيف يمكن للمؤمن أن يتمتع بإيمان راسخ، وألا يتأثر بالمعتقدات المختلفة؟ الأمر سهل، فأنت بحاجة إلى كتابين: الكتاب المرئي والكتاب المكتوب. الكتاب المكتوب هو القرآن والسنة. أما الكتاب المرئي فهو الكون بأسره، الذي يتيح لك أن ترى عظمة الخالق في كل مخلوقاته. يقول الله تعالى: «أفلا ترون ذلك في أنفسكم؟».
وفي آية أخرى: «قل: هو الذي خلقكم وأعطاكم السمع والبصر والقلب. يا لقلة شكركم! أيها المؤمن! عليك أن تستخدم هذه الأدوات لتحقيق معرفة الله، وأن توظفها في الكتاب المكتوب والمرئي، وسترى عجائبًا!».
ويقول الله تعالى في كتابه: «فلينظر الإنسان من ماذا خُلق». وفي آية أخرى: «فلينظر الإنسان فيما يأكل!».
اللهم، أنر أبصارنا وقلوبنا، وقوِّ إيماننا ومعتقداتنا، واحفظنا من الزلات والشكوك. أنر قلوبنا بنور القرآن، ووسع صدورنا به، وأنر قبورنا، وأنر عقولنا بعلمك، واحمنا من كل ما يبعدنا عنك، وسهّل لنا كل عمل يقربنا منك، وادعم المظلومين في كل مكان، واهزم الظالمين. آمين.
Español

