الحمد لله، الذي فرض علينا صيام شهر رمضان وأنزل فيه القرآن، هدى للناس وبرهانًا واضحًا على الهداية والتمييز. أشهد أن لا إله إلا الله، الواحد الذي لا شبيه له. وأشهد أن محمدًا هو عبده ورسوله، خير من صلّى وأدى الزكاة وحجّ وصام ﷺ، والسلام والبركات على آله وأتباعه حتى يوم القيامة.
اتقوا الله أيها المسلمون، وتوبوا إلى ربكم، فتنجحوا. اعلموا أننا على وشك دخول شهر رمضان، وهو شهر الخير والبركات، وشهر الإنفاق في سبيل الله، وشهر الصلاة والصوم والقيام بالليل.
من ثمار شهر رمضان التقوى لله عز وجل، وللحصول عليها، فُرض الصيام على جميع الشعوب.
يقول الله عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا! كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم. لعلكم تتقون». (سورة البقرة، 183) تنتهي هذه الآية بذكر التقوى، مما يشير إلى أنها ثمرة الصيام. وهكذا يتبين لنا أن الغرض من وجوب هذا العبادة هو بلوغ التقوى من الله.
يا عباد الله! إن التقوى تقود إلى الحذر من ارتكاب الذنوب أو الأفعال المحرمة، لأن الذنوب تستدعي غضب الله وسخطه وعقابه. وتتحقق التقوى بطاعة الله، والامتثال لأوامره، والابتعاد عن محارمه. ويشرح ابن مسعود الآية: «يا أيها الذين آمنوا! اتقوا الله كما يجب أن يُتقى ولا تموتوا إلا وأنتم مسلمون» (سورة آل عمران، 102) مفسراً إياها على النحو التالي: يجب طاعة الله وعدم عصيانه، وتذكره وعدم نسيانه، وعلينا أن نشكره ولا ننكره. كما أن للتقوى تعريفات عديدة. ومن بينها أن التقوى هي إطاعة الأوامر وتجنب الممنوعات في السر والعلن.
الصيام يساعد على كبح الرغبات التي تقودك إلى حافة الوقوع في الذنوب، لأن المعدة الفارغة تقلل من تأثير الشيطان على ابن آدم. وقد قال النبي ﷺ:
أسوأ وعاء يمكن ملؤه هو المعدة. يكفي الإنسان أن يأكل كمية قليلة من الطعام ليحافظ على جسده سليمًا (صحيًا). لذا، عندما تجلسون لتناول الطعام، احرصوا على أن يخصص ثلث سعة المعدة للطعام، وثلث آخر للشراب، وأن يبقى الثلث الأخير فارغًا لتسهيل التنفس.
لأنه عندما تشبع النفس، فإنها تتحرك وتتجول وتطرق أبواب الرغبات، خاصةً إذا كان الطعام محظورًا أو غير مستحسن. أما عندما تكون جائعة، فإنها تهدأ وتصبح متواضعة وخاضعة. قال أهل التصوف: «إذا كانت النفس جائعة وعطشى، يصبح القلب نقيّاً وحساساً، وإذا كانت شبعة وراضية، يصبح القلب أعمى».
ولهذا السبب، أمر النبي ﷺ الشباب الذين لا يستطيعون الزواج بأن يصوموا، قائلاً: «أيها الشباب! من كان قادراً على تحمل مسؤولية الزواج، فليتزوج، فإن ذلك يقيه من النظر (إلى ما لا يحل) ويشبع شهوته. ومن لم يستطع ذلك، فليصم، فإن الصوم يحميه».
عباد الله، من ثمار الصيام أنه تطهير للنفس، ويُعوِّدها على الخير والاستقامة والإحسان، ويجبرها على ترك عاداتها في الأكل والشرب والجماع. وهذا بحد ذاته يربّي النفس ويخضعها، لأن ترك العادة هو أصعب ما يكون. كما أن من فوائد الصيام أنه يدرب نفوسنا على أنواع الصبر المختلفة: الصبر على المأذون به، والصبر على الممنوع، والصبر على البلاءات.
يرد هذا في النصائح التي قدمها لقمان لابنه:
«يا بني! أقم الصلاة وأمر بالمعروف». هذا الجزء مثال على الصبر في تنفيذ ما أمر به.
«احظروا ما هو مستهجن»، وهنا تظهر الصبر تجاه المحظور.
«وتحلى بالصبر تجاه كل ما قد يحدث، فمن الصحيح أن ذلك جزء من الأمور التي تتطلب الصمود». وأخيرًا، فإن هذه النصيحة هي مثال على الصبر في مواجهة المحن.
يا عباده! من ثمار الصيام أنه أحد أعظم الوسائل لنيل المغفرة، فهو يمحو الذنوب ويكفر عن السيئات.
قال نبينا ﷺ: «الصلاة الخمس اليومية، وما بين يوم جمعة وآخر، وما بين شهر رمضان وآخر، تكفر عن أي ذنب يقع بين هذه الأعمال، شريطة ألا يرتكب المرء ذنبًا جسيمًا».
من ثمار الصيام أن الله عز وجل قد خصّص للمصومين «باب الريان»، ولن يدخله أحد سواهم. قال النبي ﷺ: «في الجنة باب للصائمين يُدعى ريان، ولا يدخله أحد سواهم. فإذا دخل آخر الصائمين أُغلق. ومن دخلها شرب، ومن شرب لم يعطش أبداً».
اللهم، اجعلنا من الذين يدخلون باب الريان، وامنحنا التوفيق في صيام رمضان، واجعلنا من الذين يصومون نهاراً ويقيمون الصلاة ليلاً، واشفِ الذين لا يستطيعون الصيام، وارحم الذين صاموا العام الماضي ورحلوا إلى ربهم. واجتمعنا بهم مؤمنين ومسلمين، دون تغيير أو تحريف حتى يوم اللقاء بك. آمين.
Español

