
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، العظيم العليم – هو الذي يغفر الذنوب ويقبل التوبة. وهو الذي خلق الإنسان من سائل وصاغه، وأخرج منه أقارب وأواصر القرابة، وربكم هو العظيم.
وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، وخاتم الأنبياء الذين أرسلوا إلى البشر، وهو إمام المتقين، [الذين يتقون الله ويخشونه]، وسيد البشرية جمعاء، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه.
أيها المسلمون! ورد عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «كل واحد منكم راعي، وكل راعي مسؤول عن رعيته، والإمام راعي وهو مسؤول عن رعيته». يُذكِّر هذا الحديث النبوي الشريف الغافلين بمسؤولياتهم وأنواعها المختلفة؛ ولا سيما أمانة التربية التي أهملها الكثيرون في عصرنا هذا، حيث تكثر الإغراءات الظاهرة والخفية. تربية الأبناء مسؤولية عظيمة تقع على عاتق الوالدين. إن إنجاب الأبناء نعمة عظيمة، ولا يشعر بالامتنان لها إلا من رعى أبناءه وبناته رعايةً حسنة.
إن شكر الله على هذه النعمة لا يقتصر على الكلمات فحسب، بل يتجلى أيضًا من خلال الجهد المستمر في صقل أخلاق الأبناء وتربيتهم وتعليمهم ورعايتهم على النحو السليم. إن نعم الله على عباده لا حصر لها، وأفضلها هي الأبناء. اعلموا أن حقوق الأبناء على والديهم لا تُحصى. وسيُسأل كل أب وأم عن رعاية أطفالهم وتربيتهم.
فبفضل التربية الحسنة، سيترك الوالدان ذكريات جميلة بعد وفاتهما، وسيكون لهما تأثير عظيم وجميل إذا نجحا في تربية أبنائهما وصقل شخصياتهم.
من خلال التعليم، سيصبح الولد ابناً باراً يدعو لوالديه بعد وفاتهما. قال النبي ﷺ: «إذا مات ابن آدم، انقطعت أعماله كلها إلا ثلاث: الصدقة الجارية، والعلم النافع، والولد البار الذي يدعو له». والابن، إذا كان بارًّا ومثقفًا، يجمع بين هذه الأمور الثلاثة: فهو صدقة مستمرة، وستنالون أجرَه في قبوركم كما لو كنتم أحياء. وبالمثل، قد يكون الابن عالمًا، فيجمع بين البر والعلم، وستنالون أجرَ كليهما في القبر. فلكل عمل صالح يقوم به، تأتيك الأجر حتى يحين يوم القيامة.
يا عباد الله! إن تربية الأبناء والبنات لا تقتصر على أحد الوالدين فقط، فبعض المسؤوليات تقع على عاتق الأم، وبعضها على عاتق الأب، وبعضها مشترك بينهما. والتربية الحسنة واجبة سواء كان الوالدان متزوجين أم منفصلين. إن الطلاق، الذي يهدم البيوت، لا يلغي واجب التربية ولا واجب النفقة. كثير من الناس لا يأخذون هذه الأمور على محمل الجد، مع علمهم بأن الشريعة قد أرستها ووضحتها وأعطت كل فرد حقه الواجب. وليس للأطفال أي دخل في الطلاق؛ فليس ذنبهم أن ينفصل والديهم. والنفقة حق من حقوق الطفل حتى يبلغ سن الرشد، إذا كان صبيًا، وإلى أن تتزوج إذا كانت فتاة. أما الآباء والأمهات الذين يهدرونها أو لا يدفعونها، فقد خالفوا الأمانة وسيُحاسبون أمام ربهم دون وسيط، فليستعدوا للإجابة. فالطلاق يدمر مستقبل الأطفال، ويؤثر تأثيراً عميقاً على شخصيتهم وطبعهم، ويمكن أن يتسبب في عدد من الأمراض النفسية مثل الاكتئاب والعصبية والقلق.
أيها المؤمنون! إذا قُضي بالانفصال بين الزوجين، فيجب على كل منهما أن يواصل تربية الأبناء كما كانا يفعلان أثناء زواجهما، بل وأن يبذل جهدًا أكبر مما كانا يبذلانه من قبل، لأن أبناء المطلقين هم كالأيتام الذين لا يزال آباؤهم على قيد الحياة. وقد قال النبي ﷺ في حديث: «يكفي الرجل ذنبًا أن يتخلى عن من يعولهم. ومن يتخلى عن تربية أطفاله فقد خان الأمانة التي عُهد بها إليه، وهي من علامات المنافقين».
* * *
يا عباد الله! من خلال التربية السليمة، يساهم الناس في بناء مجتمع سليم وفعال. والأطفال هم نواة هذا المجتمع وأساسه. فإذا كانت الأسرة صالحة، فإنها تقوي صرح المجتمع، أما إذا كانت فاسدة، فإنها تدمر المجتمع، سواء شعرت بذلك أم لا، ولهذا يشبه الله الأسرة الصالحة بالأرض الطيبة، قائلاً:
الأرض الطيبة تُخرج نباتاتها بإذن ربها، أما الأرض السيئة فلا تُخرج إلا القليل.
وبهذه الطريقة نُبيّن الآيات للناس الشاكرين. (7:58)[1]
يتطلب التعليم الجدية والاجتهاد، لا الضعف والكسل، خاصةً في يومنا هذا، حيث يكثر الفاسدون ويقل الصالحون.
قيل: «من يرعى الأغنام في أرض الأسود وينام… فإن الأسد هو الذي يعتني بقطيعه».
خلق الله عز وجل الإنسان بطبيعة سليمة، قادرة على التعلم والتهذيب. قال النبي ﷺ: «كل طفل يولد على الفطرة». ويحافظ بعض الآباء على هذه الفطرة[2]، ويزرعون فيها الخير، ويوجهونها نحو الفضيلة، ويبعدونها عن كل مكان ملوث بالعادات السيئة. ومن يفعل ذلك فقد أدى واجبه، وساهم في استمرار الصالحين على الأرض، وسيُذكر دائمًا بالخير.
أما من يفسد هذه الفطرة ويساهم في انحرافها، فقد أخطأ ولم يفي بمسؤوليته، وسيُحاسب على ذلك أمام الله، وستلصق به السمعة السيئة حتى يوم القيامة.
يا الله! امنح كل من له حق ما يستحقه، واهدِ أبناءنا وبناتنا إلى الصراط المستقيم!
يا الله! بارك مجتمعنا واحمه من المفسدين، وافتح أذهان أطفالنا، واجعل الإيمان محبوباً لديهم، وزينه في قلوبهم، واجعلهم يبغضون الفجور والعصيان، واحفظهم في صفوف المهتدين!
يا الله! ساند إخواننا الذين لا يزالون يتعرضون للقصف بالنار في كل لحظة، وساعد المظلومين، واهزم الظالمين!
آمين.
[1] هذه الترجمة للقرآن مأخوذة من: «القرآن الكريم: ترجمة جديدة لمعانيه إلى اللغة الإنجليزية» بقلم عبد الحق بيولي
[2] الفطرة: الطبيعة الفطرية لكل طفل
Español

