الوفاء

الحمد لله الذي جعل الإخلاص من صفات الرسل والأنبياء، وأمر به عباده. قال الله تعالى في مستهل سورة «المائدة»: «يا أيها الذين آمنوا، أوفوا بالعقود». وقد قال العديد من مفسري القرآن الكريم إن العقود المذكورة في هذه الآية هي العهود، أي: أوفوا بالعهود التي أبرمتموها بينكم وبين الله، وبينكم وبين خلقه، وأوفوا بها تمامًا كما تقتضيه الشريعة، فإنكم ستسألون عن العقود والحقوق، أمام الله عز وجل. وقد قال سبحانه وتعالى: «ووفوا بالعهود، فإنكم ستسألون عنها».

وقال أيضًا: «واحتجزوهم، فسيُسألون». ويصف القرآن أهل التقوى والورع بأنهم أناس يوفون بالعهد، قائلاً: «الذي يفي بعهوده عندما يقطعها». وروي عن أنس بن مالك، رضي الله عنه:

خاطبنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قائلاً: «لا إيمان لمن لا يُأمان، ولا تقوى لمن لا يلتزم». الخيانة من صفات المنافقين، وهم الذين سيكونون في أدنى درجات النار. ومن يخون يُعتبر من المنافقين ويتصرف مثلهم حتى يتخلى عن الخيانة ويرجع إلى الله تائباً.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هناك أربع صفات، من اجتمعت فيه كلها، فهو منافق كامل: إذا تكلم كذب، وإذا وعد خالف، وإذا أُئتمن خان، وإذا تجادل لجأ إلى الضربات الدنيئة. ومن كان فيه إحدى هذه الصفات، ففي شخصيته سمات النفاق، حتى يتخلى عنها». رواه البخاري

أيها المؤمنون، إن الإخلاص صفة عظيمة، ومن يتحلى بها يبلغ درجة عالية من النبل. وقد مدح الله سبحانه وتعالى العديد من الأنبياء والرسل لكونهم مخلصين. فقال عن نبيه إسماعيل: «كان وفياً لعده، وكان رسولاً ونبياً»، وقال عن والده إبراهيم: «الوفاء». وكان نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل المخلصين في جميع الأحوال، ومع جميع الناس، بغض النظر عن دينهم أو نوعهم. وبالوفاء بالعهود والعقود، دعا إلى دين ربه، وبفضل إخلاصه ولطفه وتسامحه، استجاب له الناس وساعده الله.

ولم ينسَ إخلاصه في السراء والضراء، وفي الشدة واليسر. وبسبب ولائه، ترك الأمانات لعلي بن طالب يوم الهجرة، وأمره بأن يعيدها إلى قومه. وكان يُعرف باسم محمد الأمين قبل أن ينزل عليه الوحي. كما كان أمينًا مع الصحابة، ويفي بوعوده وكلماته.

يا عباد الله، اعلموا أن المعاملات مقدسة ولها حدود، فلا ينبغي للمؤمن أن يتجاوزها. «ومن يتعدى حدود الله فقد ظلم نفسه». فما بال معظم الناس اليوم الذين لا يوفون بالعقود والعهود؟ ويتجنبون تدوين العقود كما أمر القرآن الكريم. يقول الله سبحانه وتعالى: «يا أيها الذين آمنوا، إذا تداولتم بينكم قرضًا لأجل، فاكتبوه». هذا أمر من الله، موجه إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين ليسوا خائنين ولا ينقضون العهد. هل أنت أفضل من أبو بكر وعمر، اللذين خاطبهما القرآن قائلاً: «اكتبوه»؟

ما يحمي العقود في عصرنا هذا، الذي يتسم بالاحتيال وسوء النية، هو تدوينها كتابةً، أياً كان نوع العقد: عقد تجاري، أو دين، أو بيع وشراء، أو زواج. عقد الزواج مقدس في الإسلام، وقد وصفه القرآن الكريم بأنه «عهد مبرم»، وله أركان وواجبات، من بينها تدوينه كتابةً، وهذا يضمن حقوق كل من الزوجة والزوج، ولا يعني ذلك أن الزواج الشرعي غير المكتوب محظور أو باطل، لكن العقد المكتوب يحفظ الحقوق والواجبات. إذا قلت إن التوثيق ليس واجباً، فلماذا تهتم بالعقود العقارية والتجارية، مثل شراء المنازل والأراضي؟ فأنت تُعدّها أمام كاتب عدل، وتوقّع عليها، وتلتزم بجميع بنودها، لأن الأمر يتعلق بالمال والممتلكات! فلماذا لا تشتري منزلاً أو أرضاً بقراءة «الفاتحة»؟ ألم تنسَ أن الله يعلم نيتك والشر الذي تخفيه؟ قال عمر بن عبد العزيز: «تُبتكر أحكام جديدة كلما ارتكب الناس الفجور».

***********************************

أيها المؤمنون، اتقوا الله وكونوا مخلصين واعين بيوم لا ينفع فيه أحد بما فعله الآخر، واعلموا أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: «كل منكم راعي، وكل راعي مسؤول عن رعيته».

من صفات أصحاب العقل الوفاء بالالتزام تجاه الله وعدم خرق العهد. فالعقل يهديك إلى الجنة، لا إلى الدنيا، لأن الدنيا ظل زائل وجسر نحو الحساب، لذا عليكم أن تحاسبوا أنفسكم قبل أن يحل اليوم الذي تُسألون فيه، وتوبوا إلى الله وأعيدوا الأمانات إلى أصحابها قبل أن تشرق الشمس من الغرب. فمن كان عليه دفع مهر أو نفقة أو دين، أو أخذ شيئًا لا يملكه، فليرده قبل أن يصل أنفاسه إلى حلقه ولا ينفعه توبته

يا الله، احفظنا من الخداع والخيانة ونكث العهود.

آمين، والحمد لله رب العالمين