الصحابة والأخلاف الأربعة

أيها المسلمون، لقد جاء النبي محمد بالرسالة الأخيرة، وهي الطريق إلى الله. إنه قدوتنا ومثالنا الذي نقتدي به، ففي سنته توجد كل المعرفة اللازمة لطاعة الله على أكمل وجه. إن اتباعه وتقليده ومحبته جزء من ديننا. وبالمثل، فإن محبة أصحابه الكرام جزء من الدين. فقد كانوا هم الذين اختارهم الله ليكونوا مع النبي، ويحيطوا به، ويدعموه، ويتبعوه، وينشروا الدين في جميع أنحاء الأرض. لقد كانوا أفضل الناس، كما يقول الله تعالى في القرآن الكريم:
«أنتم أفضل أمة أُخرجت للناس». ويقول الله تعالى: «قل: سبحان الله وسلام على عباده المختارين». ويقول الصحابي ابن عباس إن المقصود هم الصحابة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل جيل هو جيل أصحابي، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه».
نحن نبجل الصحابة لأننا نحب رسول الله ونطيعه. ونحن راضون عن الصحابة لأن الله ورسوله كانا راضيين عنهم. يقول الله تعالى:
«لقد رضي الله عن المؤمنين حين بايعوك تحت الشجرة». (48:18) يقول القاضي إياد في كتابه الشهير «الشفاء بتعريف حقوق المصطفى»:
«من إكرام النبي وطاعته إكرام أصحابه وطاعتهم، وإحقاق حقوقهم، والسير على خطاهم، ومدحهم، والاستغفار لهم، والامتناع عن الجدال حول الخلافات بينهم، وإظهار العداوة لمن يعادونهم، وتجنب انحراف الشيعة والمبتدعين، وتجنب روايات المؤرخين أو الرواة الجاهلين التي تنتقص من شأن أي منهم".
نسأل الله أن يبارك النبي وجميع أصحابه.

******

وروى يبر بن عبد الله، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقد اختار الله أصاحبي من بين جميع المخلوقات، باستثناء الأنبياء والرسل. وقد اختار لي أربعة منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وجعلهم أفضل أصحابي، مع أن جميع أصحابي طيبون».
هذه هي المكانة السامية لأصحاب رسول الله، رجالاً ونساءً اختارهم الله على بقية المخلوقات؛ رجالاً ونساءً اختار رسول الله، قمة الخلق المطلقة، أن يكون في صحبتهم؛ رجال ونساء ندين لهم جميعًا بالامتنان لما حافظوا به على دين الله ونقلوه إلينا كاملاً وسالمًا.
قال أيوب السجتياني، أحد التابعين المشهورين:
«من أحب أبا بكر فقد أقام الدين. ومن يحب عمرًا فقد مهد الطريق. ومن يحب عثمانًا فقد أضاءه نور الله. ومن يحب عليًا فقد تمسك بأكثر ما يمكن التمسك به أمانًا. ومن يمدح أصحاب محمد فهو خالٍ من النفاق. أما من ينتقص من أي منهم فهو مبتدع يعارض السنة والسلف الصالح، وأخشى ألا ترتفع أي من أعماله إلى السماء حتى يستعيد قلبه الصحة والسلامة ويحبهم جميعًا".
أيها المسلمون، لقد اختار الله الصحابة، ومن بينهم، كما رأينا، أفضلهم هم الخلفاء الأربعة الذين خلفوا النبي: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي.
كان أبو بكر أقرب الصحابة إلى الرسول. وكان «الثاني من اثنين»، كما وصفه الله في الآية التي تتحدث عن الهجرة التي قام بها مع الرسول من مكة إلى المدينة.
وقال النبي عنه:
«لو أنني اتخذت خليلًا من أمتي، لاتخذتُ أبا بكر. لكنه أخي ورفيقي».
كان رجلاً آمن بالنبي دون أدنى شك في أي لحظة، مما أكسبه لقب «الصديق». وقد بذل كل ما في وسعه لمساعدة الرسول. قال النبي:
«ما أفادني من مال أكثر من مال أبو بكر». فبكى أبو بكر عند سماعه ذلك وقال: «أليس أنا ومالي لك يا رسول الله؟»
وعندما اعتنق عمر الإسلام، شكّل ذلك تعزيزًا للمسلمين، فقد كانوا يعيشون في خوفٍ ما، يجتمعون لتعلم القرآن وتلاوته والصلاة خلسةً، بسبب قمع قريش. لكن عمر كان أحد النبلاء ذوي الشخصية القوية التي دافعت عن الرسول والمسلمين في مواجهة قريش بحزم وشراسة، مما جعل المسلمين يجرؤون على إظهار إسلامهم علانية. وكان الخليفة الثاني. وقد قال الرسول عنه:
«لو كان هناك نبي بعدي، لكان عمر».
أطلق عليه النبي لقب «الفاروق» لتميزه بالبصيرة والقدرة على التمييز بين الحق والباطل. وبعد وفاة أبي بكر، تولى الخلافة لمدة حوالي 10 سنوات، وشهد الإسلام في عهده أكبر انتشار له. وكان يقينُه وشجاعته شديدين لدرجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له:
«يا ابن الخاتب، والذي نفسي بيده، لو وجدك الشيطان تسير في طريق، لاتخذ طريقاً آخر».
وعثمان، كان صهر النبي، فقد تزوج إحدى بناته، وبعد وفاتها تزوج أخرى. ولهذا يُعرف باسم «ذو النورين»، صاحب النورين.
وقد بشره الرسول بالجنة في أكثر من مناسبة، وقال عنه إن الملائكة يخجلون في حضرته.
أما عليّ، فقد كان ابن عم رسول الله، وثاني شخص يؤمن به بعد خديجة، وأول رجل يؤمن برسول الله رغم صغر سنه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «احموني فيما يتعلق بأصحابي وأقاربي من خلال الزواج. فمن يحميني فيهم يحميه الله في الدنيا والآخرة. ومن لم يحميني فيهم، فقد تركه الله. وكل من يتركه الله فهو على وشك أن يُؤخذ بالقوة (سيُعاقب في هذه الحياة أو في الآخرة)».
أيها المسلمون، الغرض من تذكيركم بمكانة الصحابة ومن هذه الإشارة الموجزة إلى الأربعة الجالفة هو تذكيركم بواجبنا في الدفاع عنهم واتخاذهم قدوة ومصدر إلهام لنا. فقد كانوا أفضل جيل، وما يميزهم هو حبهم العميق للرسول وتفانيهم المطلق في سبيل الدين. كان هذا محور حياتهم، وكان كل ما عدا ذلك أمراً ثانوياً. ولذلك يُنصح بتخصيص بعض من وقتنا لدراسة سيرهم الحياتية لإثراء أنفسنا، وتقوية حبنا لهم، حتى نتمكن من الاقتداء بهم.
نسأل الله أن يزيدنا حبًا له ولنبيه، ونسأله أن يزيدنا حبًا لعائلته وصحبه، وأن يتيح لنا السير على خطاهم والدفاع عنهم. نسأله أن يوحد قلوب المسلمين ويمنح دينه النصر.