الحمد لله، الذي جعل الأخلاق جزءًا من الدين، وبه رفع من شأن المؤمنين وفتح قلوب الصالحين.
أشهد أن لا إله إلا الله، الواحد، الذي لا شبيه له، وأن محمدًا ﷺ عبده ورسوله (صلى الله عليه وسلم)، والسلام والبركات على آله وصحبه ومن اتبع سنته حتى يوم القيامة.
أيها المسلمون! اتقوا الله وعبدوا ربكم سراً وعلانية، واشكروه على نعمه، فإنه سيكافئكم أضعافاً مضاعفة. وارجعوا إليه توبة تامة لعلّكم تنجحون. قال رسول الله ﷺ: «ما من شيء يرجح في الميزان أكثر من حسن الخلق». يشير هذا الحديث النبوي الشريف إلى أن جوهر الإسلام هو حسن الخلق. ومن خلال الأخلاق، نقل رسول الله ﷺ دين الإسلام. لقد نقل الرسالة بلطف لا بقسوة، وببشارة لا بخوف. وقال: «بشّروا ولا تنفوا». وقال الله تعالى: «وَبَرَّاحَةٍ من الله كُنْتَ لَطِيفًا معهم؛ لو كُنْتَ فظًّا قاسي القلب لابتعدوا عنك. فاعفُ عنهم، واطلب المغفرة لهم، واستشرهم في الأمور (…)».
ولولا رحمتك يا محمد، ولولا حنانك ولطفك وحسن خلقك، لابتعدوا عنك، ولما آمن أحد برسالتك. وقد وصف الله نبيه في القرآن بأنه رحيم ورؤوف. قال: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم، يحزن عليه ما أصابكم، حريص عليكم، رحيم برؤوف بالمؤمنين». وقد مدح الله عز وجل أخلاقه وقال: «إنك لأمَّة عظيمة». ويتضح من هذه الآيات بجلاء أن الإسلام هو حسن الخلق، وأن الدعوة إلى الإسلام لا تتم بالخطب ولا بالكلمات الكثيرة، بل بالأخلاق. ويؤكد الحديث أن المؤمن يبلغ مرتبة الصائم والصلاة من خلال حسن الخلق. ومصطلح «الأخلاق» كلمة شاملة يشمل معناها كل ما هو خير، سواء كان كلامًا أو أفعالًا. وقد حصر النبي ﷺ الغرض من رسالته في كلمة واحدة، عندما قال: «ما أُرسلتُ إلا لإكمال الأخلاق الحسنة». وكذلك ما قاله سيدنا جعفر أمام ملك الحبشة، عندما قال:
جلالتك، كنا قومًا في الجاهلية. كنا نعبد الأصنام، ونرتكب الفواحش، ونقطع صلات القرابة، وكان الأقوياء منا يلتهمون الضعفاء. وكنا على هذه الحال حتى أرسل الله إلينا رسولاً من بيننا، كنا نعرف نسبه وصراحته وأمانته وصدقه. فدعانا إلى الله، وإلى عبادة الله وحده، وإلى ترك ما كنا نعبده نحن وآباؤنا من دون الله.
كان هذا جزءًا من خطاب يعفر. ويتضح منه بجلاء أن النبي ﷺ كان معروفًا في قبيلته قبل بعثته (بيزا) بأمانته، ووفائه بأمانته، ونزاهته. وقبل أن يدعوهم إلى الصلاة والزكاة، دعاهم، بفضل أخلاقه الحميدة، إلى أن يكونوا أمناء وجديرين بالثقة. قال الرسول ﷺ: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا يفي بوعوده».
من بين الأخلاق الأساسية التي حثنا الله عز وجل عليها في كتابه، الحفاظ على روابط القرابة. خاصة ونحن في أيام عيد الأضحى المباركة وأيام التشريق، التي وصفها الحبيب بأنها أيام للأكل والشرب وذكري الله. والشخص الحكيم هو الذي يتصرف وفقًا للأدب والقواعد المتعلقة بربط أواصر القرابة وزيارة الأصدقاء والأحباء. قال الله عز وجل: «وذوو القرابة، لهم حق أكبر بعضهم على بعض في كتاب الله. إن الله عليم بكل شيء». ومن آداب زيارة الأقارب التحلي بالصبر على أذىهم، والحفاظ على الروابط معهم حتى لو لم يحافظوا هم على الروابط معك. قال النبي ﷺ: «أحفظوا الروابط مع من قطعوا الروابط معكم». ولم يقل: «أحفظوا الروابط مع من يحافظون على الروابط معكم».
ثانياً، أن تبدأ اللقاء بالسلام، خاصةً إذا كان هناك تباعد أو خلاف، لكسر الحواجز التي يستخدمها الشيطان لتفريق الأسرة والأحباء، وبين الشخص وزوجته وأولاده. ويشمل ذلك قبول اعتذاراتهم والتغاضي عن أخطائهم. والتسامح مع أي أذى قد ألحقه بك أخوك، والبدء معه من الصفر، وفتح صفحة جديدة.
كما يجب أن يكونوا لطفاء مع المحتاجين من أقاربهم. ويمكن إظهار الإحسان من خلال الصدقة والهدايا، لأن الصدقة للجار لها الأولوية. وبذلك، تُغفر جميع الذنوب.
أيها المؤمنون! من آداب الزيارة أن تكون قصيرة حتى لا تشكل عبئًا على المضيف. قيل: «إذا كانت زيارتك قصيرة، فسيحبك الناس». خاصة عند زيارة المرضى. فالحفاظ على الروابط الأسرية ينطوي على أسرار مليئة بالبركات والخير. وهي سبب في زيادة الرزق. وتزيد البركة في الحياة والصحة والرفاهية. قيل: «من أراد أن يزيد رزقه أو يطول عمره، فليحافظ على روابط القرابة». قال الله تعالى: «واتقوا الله الذي تستنجدون به، ووصلوا القرابة. إن الله عليكم راصد».
اللهم! بارك لنا في ديننا، وأخلاقنا، وحياتنا، وأيامنا، وامنحنا البركة في أيام العيد، والتوبة، والسلام، والأمان، واجعل نعمة الصحة والرفاهية تدوم علينا، واسمح لنا أن نتمتع بالسمع والبصر والقوة ما دمت تبقينا أحياءً، وابتعد عنا كراهيتك وغضبك، ولا تتركنا لأنفسنا ولو للحظة واحدة. آمين
Español

