التوبة

أيها المسلمون، يقول الله تعالى في كتابه الكريم:

«قُلْ: يا عبيدِي الذين أفرطوا على أنفسهم، لا تيأسوا من رحمة الله، إن الله يغفر كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم!» (39:53)

يا عباد الله، إن أحدًا منا ليس كاملاً. فكلنا نخطئ من حين لآخر، وكلنا نعتدي على أنفسنا. نحن لسنا ملائكة، ولم نُمنح الحصانة من ارتكاب الأخطاء. نحن بشر، خُلقنا بضعفات وب«نفس» قد تأمرنا بالشر، كما يقول الله تعالى في القرآن الكريم، كما أننا معرضون لمكر الشيطان وإغواءاته. والخطأ جزء من الطبيعة البشرية، وهو جزء من فطرتنا، كما أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال:

«كل ابن آدم (كل إنسان) يخطئ». وهذا صحيح حتى بالنسبة للأولياء العارفين، لأنه عندما سُئل الإمام يونس عما إذا كان رجل من أهل العلم الروحاني يمكن أن يرتكب الزنا، أجاب بالآية القرآنية:

«إن أمر الله قد كُتب» (33:38). فقد يرتكبون أفعالاً خاطئة، على الرغم من أن قلوبهم تذكر الله باستمرار. بل إن الله أحيانًا يجعل الفعل الخاطئ سببًا في أن يصبح الشخص أقرب إليه، كما يشير ابن عطية في «حكمه» عندما يقول:

«قد يقدر الله لك عملاً سيئًا، ويجعل ذلك العمل السيئ وسيلةً للوصول إليه». وذلك لأن العمل السيئ قد يدفع المسلم إلى التأمل، فيتذكر بذلك المهمة التي التزم بها. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«قد يكون العمل الخاطئ الذي يرتكبه الإنسان سببًا لدخوله الجنة». فسألوا: «كيف ذلك يا رسول الله؟» فأجاب: «سيظل تائبًا، هاربًا من ذلك العمل الخاطئ، وخائفًا من ربه حتى يموت، وهذا سيقوده إلى الجنة».

إن الله لا يريد إلا الخير لعبيده، وفي كل ما يقضيه لنا خير. إنه يريد أن يغمرنا بصفاته من المغفرة والرحمة. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«لو لم ترتكبوا آثامًا، لكان الله قد أخذكم وأتى بقوم آخرين يرتكبون الآثام ويستغفرونه، فيغفر لهم. إنه الغفور الرحيم».

إذن، إذا كان ارتكاب الأخطاء جزءًا من طبيعة الإنسان، ونحن جميعًا نرتكبها (باستثناء الأنبياء، بالطبع، فهم محصنون)، فما الذي يميز إنسانًا عن آخر ويرفع مكانته عند الله؟ الجواب هو التوبة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول، استكمالاً للحديث الذي بدأنا به:

«خير المخطئين هم التائبون». لأن رحمة الله لا حدود لها، ولا يوجد خطأ إلا ويغفره. يقول الله تعالى:

«إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ كُلَّ ذُنْبٍ. إِنَّهُ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (39:53)

فلا تيأس أبدًا من رحمة الله، مهما ابتعدت عن الطريق الصحيح، حتى لو ارتكبت آثامًا تكفي لملء السماوات والأرض. فمجرد التوبة الصادقة ستحولها إلى حسنات. يقول الله تعالى:

«إِلَّا مَنْ تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ صَالِحًا، فَهؤلاء سيُبدِلُ اللهُ سُوءَ أَعْمَالِهِمْ بِحَسَنٍ. إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ». (22:70)

ولا تظن أبدًا أنك في مأمن من المعاصي، وبالتالي لا حاجة بك إلى الاستغفار. فقد قال النبي، الذي غُفر له كل ما فعله أو سيفعله، ولم يرتكب معصية قط:

«يا أيها الناس، استغفروا الله وتوبوا إليه، فإنني أستغفر الله وأتوب إليه مائة مرة في اليوم».

ولا تحتقروا الآخرين بسبب أي عمل خاطئ شاهدتموه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«من انتقد مؤمناً آخر بسبب فعل غير لائق ارتكبه، فسيكون مثل من ارتكبه، وسيجعله الله ينتهي بفعل الشيء نفسه. ومن انتقد مؤمناً آخر بسبب جريمة ارتكبها، فلن يغادر هذه الدنيا حتى يرتكب الفعل نفسه ويُفضح». لا يجوز لنا أن نسيء إلى الآخرين أو نحملهم سوء الظن، مهما رأيناهم يفعلون، لأنهم قد يكونون في مرتبة أعلى عند الله وقد يكونون محبوبين عنده، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«إن الله يحب كل من يُمتَحنَ بأعمال خاطئة فيرجع». أي أولئك الذين يخطئون كثيرًا، لكنهم كلما أخطأوا تابوا على الفور. وهذا لا يشمل أولئك الذين يتعمدون ارتكاب المعصية، بل أولئك الذين يخطئون بشكل متكرر ويعودون إلى ربهم باستمرار. علينا أن نهتم بأنفسنا ونتوب إلى الله عن ذنوبنا. وأن نحافظ دائمًا على أفضل رأي في إخواننا.

*****

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: «يا أيها الذين آمنوا! توبوا إلى الله توبة نصوحة ليعفو ربكم عن ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار". (66:8) ولكي تُقبل توبتنا، يجب أن تكون توبة صادقة: نصوحة. والتوبة تكون صادقة عندما تستوفي شروطاً معينة:

أولها التوقف عن فعل المعصية التي تُستوبَخ عنها. فطلب المغفرة مع الاستمرار في ارتكاب المعصية ليس توبة. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«من يستغفر بلسانه وهو يواصل ارتكاب المعصية، فهو كمن يستخف بربه علانية».

ويجب عليك التوقف عن ارتكاب الفعل الخاطئ على الفور. يجب أن نتوب الآن، وألا نؤجل التوبة إلى المستقبل. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«المؤجلون سيهلكون». والمؤجلون هم أولئك الذين يقولون: «سأتوب لاحقًا». وهناك خطر ألا يأتي هذا «لاحقًا» أبدًا.

والثاني هو أن تكون التوبة مصحوبة بالندم. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«التوبة هي التوبة». والندم يعني إدراك أن ما فعلته كان خطأً. لأن معصية الله تسبب حزنًا في قلب المؤمن، بينما طاعة الله تسبب الفرح. يقول الله تعالى:

«وَلَكِنْ أَعْطَاكَ اللهُ حُبَّ الإيمانَ وجَعَلَهُ لِيُسْرًا عَلَى قُلُوبِكُمْ، وجَعَلَ الكُفْرَ والضلالَ والعصيانَ بغيضًا إليكم». (49:7)

ولكن، في الوقت نفسه، يجب أن تحمل رأيًا حسناً في ربك، لذا عليك ألا تعلق بالماضِ. وبمجرد أن تتوب، أخرج ذلك من ذهنك. فلا مكان للذنب في دين الله. في الواقع، عندما سُئل الإمام يونس عن معنى التوبة، قال: «نسيان الفعل الخاطئ». وهذا لا يعني أن تكون غير مبالٍ أو مهملًا، بل يعني أنه بمجرد التوبة، فإن تذكر شيء مقلق وأنت في حالة من السكينة هو أمر غير مفيد.

الشرط الثالث للتوبة هو العزم على عدم العودة أبدًا إلى ذلك الفعل الخاطئ. فإذا لم يكن هذا العزم موجودًا، فإن الاستغفار لا يكون صادقًا. فطلب المغفرة من الله عن شيء ما، مع وجود نية العودة إلى فعله، هو خداع للذات.

ومن الشروط الأخرى للتوبة الابتعاد عن رفقة أولئك الذين يؤثرون عليك في ارتكاب تلك الأفعال. علينا أن نبحث عن رفقة الأشخاص الذين يشجعوننا على القيام بأفضل الأعمال.

ومن الشروط الأخرى الثبات على فرائض الدين. فإذا تركت الصلاة أو صيام رمضان، فلن تنفعك التوبة عن الذنوب الصغيرة. أما إذا أوفيت بالفرائض، فإن الذنوب الصغيرة تكون بمثابة توبة. يقول الله تعالى:

«أقم الصلاة عند غروب الشمس وفي أول الليل. إن الحسنات تزيل السيئات» (11:114)

وهذا فيما يتعلق بالأعمال التي بين العبد وربه. أما بالنسبة للأعمال السيئة التي تتعلق بغيرنا، فيجب علينا أيضًا أن نتأكد من سداد الديون أو الحصول على عفوهم. في هذه الحالة تُقبل التوبة وتُمحى جميع الأعمال السيئة من سجلنا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«من تاب عن ذنوبه كان كمن لم يرتكب ذنبًا قط». نسأل الله أن يغفر لنا جميع أخطائنا ويجعلنا مخلصين في التوجه إليه.