التمسك بالدين

الحمد لله، الذي رحمته وعلمه يشملان كل شيء. إنه يعلم ما أمامهم وما خلفهم، ولا يستطيعون أن يحيطوا بذلك بعلمهم. أشهد أن لا إله إلا الله، الواحد لا شريك له. لا يتغيره الزمن، ولا تبلغه الأفكار، ولا تدركه الأبصار، وكل شيء عنده بمقدار. وأشهد أن محمدًا ﷺ هو عبده ورسوله، أنقى الناس أخلاقًا وشكلاً. والسلام والبركات على أصحابه وزوجاته، أمهات المؤمنين.

اتقوا الله أيها المسلمون، فإن التقوى هي الحماية من الضلال والنجاة من الأخطار. وثبتوا على دينكم، في السراء والضراء، ولا سيما في أوقات الفتنة والضلال والإغواء، سواء كانت ظاهرة أم خفية. قال الله عز وجل: «يُثبِّتُ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِكَلِمَةٍ ثابتَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَيُضِلَّ اللهُ الظَّالِمِينَ. والله يفعل ما يشاء». وقال ابن عباس إن «الكلمة الصادقة» هي «لا إله إلا الله». وقال البراء بن عازب:

وقد ورد ما يلي بشأن عذاب القبر: يُسأل الميت في قبره: «من هو ربك؟»، فيجيب: «ربي هو الله». «ما هو دينك؟»، فيجيب: «الإسلام». «ومن هو نبيك؟»، فيجيب: «نبيي هو محمد ﷺ».

إن الله، سبحانه وتعالى، في هذه الظروف المرعبة، يثبت المؤمنين الذين ثبتوا على دينهم في هذه الحياة. وهذا هو معنى «إن الله يثبت الذين آمنوا بالكلمة الصلبة في هذه الحياة والآخرة». ومن يتأمل حياة نبينا ﷺ وحياة أصحابه، ولا سيما السلف الصالح، سيجد ثباتًا مذهلاً في الدين، ولا يمكن التخلي عن أي شيء منه. فقد أمرنا الله عز وجل بأن نعتنق الدين كاملاً. لا يُؤخذ الدين جزئياً. فلا تأخذ ما يرضيك، وتترك الباقي. قال الله عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا، ادخلوا في السلام كلياً». أي في الدين. ولذا، فإننا على يقين من أن الإسلام عقيدة متكاملة لا تتجزأ. يقول الله، سبحانه وتعالى: «أفتؤمنون بجزء من الكتاب وتكفرون بجزء آخر؟». لقد عرض المشركون على النبي ﷺ هدايا وتنازلات كثيرة مقابل أن يتخلى عن دينه كله أو جزء منه، لكنهم لم ينجحوا ولم يتمكنوا من تغيير أي شيء على الإطلاق في دين محمد ﷺ ولا في دين أصحابه. وكان رده: «والله، لو وضعوا الشمس على يميني والقمر على يساري لجعلي أتخلى عن هذه الرسالة، لما فعلت ذلك حتى يظهر الله الحق أو أموت وأنا أحاول». لأن عون الله لا يفارق حبيبه محمد ﷺ. قال الله عز وجل: «ولولا الصلابة التي منحناك إياها، لكان قريباً أن تميل إليهم قليلاً. ولكن لو حدث ذلك، لجعلناك تذوق ضعف الحياة و ضعف الموت، وبعد ذلك ما وجدت من ينقذك منا».

إن ثبات عباده في الطاعة والدين، وسيرهم على طريق الرحمن، وحذرهم من الوقوع في المحرمات والفساد، هو دليل على صدق الإيمان وترسخه في القلب. وكان نبينا ﷺ يردد كثيرًا: «يا مغير القلوب، اجعل قلبي ثابتًا على دينك». فسألت أم سلمة النبي ﷺ عن ذلك، فقال: «يا أم سلمة، ما من إنسان إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله، فمن شاء أن يثبته ثبّته، ومن شاء أن يضلّه أضله».

أيها المؤمن! من الأمور التي تزيد من ثباتك في الدين: الامتثال للأوامر وتطبيق الشريعة. وكذلك أن تحدث الخطب والنصائح تغييراً في قلبك. قال الله تعالى: «ولكن كان خيرًا لهم لو فعلوا ما نُصحوا به، ولكان ذلك أقوى تأكيدًا»، لأن الإسلام يشمل القول والفعل والعقيدة. وكذلك تلاوة القرآن والتأمل فيه والعمل بموجبه. قال الله تعالى: «إن هذه التلاوة تهدي إلى الصراط المستقيم، وتبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بأن لهم أجرًا عظيمًا». وفي آية أخرى: «فادعُ بالقرآن من خاف عذابي».

وبالمثل، فإن ما سيزيد من ثباتك في الدين هو قصص الأنبياء وحياة الصالحين. قال الله عز وجل: «نرويك هذا كله كجزء من أخبار الرسل لكي نثبت به قلبك».

وهكذا، سترى في قصص الأنبياء صبرهم في مواجهة الإغراءات. كما أن مراجعة الذات، والتغلب على النفس، وتربيتها، تساعد على الثبات في الدين. قال الله عز وجل: «أما الذين يقاتلون في سبيلنا، فسنهديهم إلى طريقنا».

عباد الله، من أسباب الثبات على الدين أن نطلب من الله أن يجعلنا ثابتين على الدين. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: «ربنا، لا تُضلّ قلوبنا بعد أن هديتنا، وامنحنا رحمة من عندك، إنك أنت المنعم الكريم».

اللهم، اجعلنا متمسكين بدينك، واهدنا إلى طاعتك، وإلى صراطك المستقيم، وإلى اتباع سنة نبيك ﷺ. ولا تتركنا وحدنا ولو للحظة واحدة. فأنت حافظنا وحامينا. اللهم، ثبّتنا على الحق حتى نلتقي بك، دون أن نحيد أو نضل. اللهم، اجعلنا نموت مسلمين، ونجري في حالة من الإيمان والإحسان، واجعلنا نبعث تحت راية نبينا ﷺ. ارحم إخواننا المضطهدين، أينما كانوا، وامنحهم النصر على أعدائهم، وزد صبرهم، واهزم المعتدين الظالمين أينما كانوا. آمين.