الحمد لله، الذي أنعم بالعلم ووجود العلماء، الذين جعلهم ورثة الأنبياء، وأزال عن طريقهم الجهل والكرب والظلام.
أشهد أن لا إله إلا الله، الواحد لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا ﷺ هو عبده ورسوله، وإمام العلماء، ومثال يُحتذى به للسعداء.
أيها المسلمون، رُوي عن يابير، رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «لم يرسلني الله لأكون عنيدًا أو متعجرفًا، بل أرسلني معلمًا وميسرًا».
اعلموا أن الله عز وجل قد رفع منزلة العلم والعلماء، وقال: «نرفع من نريد من الناس منزلة، وعلى كل من لديهم علم هو العليم». وقال أيضًا: «علّمك ما لم تكن تعلم، وكانت نعمة الله عليك عظيمة». التعليم والتدريس أمران مترابطان، فالتدريس هو تعليم الطالب العلوم والحرف والفنون بمختلف أشكالها وأنواعها حتى يتقنها، أما التربية فهي صقل سلوك الطالب وتربيته حتى يكتسب خلاقًا حسنة ومبادئ سليمة، بحيث يكون منضبطًا ويكتسب أخلاقًا حميدة.
إذا كان العلم نوعًا من الرزق الذي ينال الإنسان من خلاله ما قُدر له، فإن التربية هي السمة التي تنقي هذا الرزق. وبالمثل، إذا كان التدريس هو تخزين المعلومات في العقل، فإن التربية هي تنقية هذه المعلومات. مثال التعليم والتربية هو مثل الجسد والروح: التعليم هو الجسد، والتربية هي روحه. فالتعليم بدون تربية هو جسد ميت ومتهالك، والتربية بدون تعليم هي وهم وهاوية. وقد ذكر الله عز وجل التربية والتعليم معًا، وجعل التربية أساسًا للتعليم. يقول، سبحانه وتعالى، موضحًا مهمة رسول الله ﷺ: «يُتلي عليكم آياتنا، ويطهركم، ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون». والتربية هي التطهير، وقد ذُكر التطهير قبل التربية في هذه الآية. والتربية والتعليم كجناحي الطائر، لا يمكن استبدال أحدهما بالآخر، وكلاهما مصدر الحضارة والتقدم. ويؤدي الافتقار إلى التربية ونظام تعليمي معيب إلى أمم ضائعة ومتخلفة ومتأخرة. وبالمثل، فإن التعليم الذي يُتلقى بمعزل عن التربية قد يؤدي إلى الفساد، أما إذا اقترن بالتربية فإنه يرفع من شأن العباد.
أيها الخدام، إن الافتقار إلى التربية مع وفرة التعليم لا يكفي، فماذا سيؤدي إليه إذن الافتقار إلى التربية وسوء التعليم؟
بسبب انعدام التعليم وسوء التربية، «أصبح الفساد جليًّا في البر والبحر، بسبب ما اكتسبته أيدي البشر».
إن التعليم دون كل ما يجب أن يحيط به قد يلحق الضرر بالبشر، وعصرنا هذا شاهد على ذلك. فمع التقدم الملحوظ في العلوم وتدهور أخلاق الناس، تسبب العلماء في دمار شامل لهذا الكوكب.
يا عباد الله، قيل: «إن الأمم لا تدوم إلا بصفاتها؛ فإذا زالت صفاتها، زالت هي».
منذ بضعة أيام، فتحت المدارس أبوابها، وأصبح الطلاب يستيقظون مبكراً للذهاب إلى المدارس والجامعات. هذا هو السعي وراء العلم. وقد بشر النبي ﷺ جميع من يسلكون طريقًا بحثًا عن جزء من العلم، قائلاً: «من سلك طريقًا بحثًا عن العلم، سيُهديه الله طريقًا إلى الجنة».
التعليم هو أحد حقوق الطفل، سواء في الشريعة الإسلامية أو من الناحية القانونية، لذا، أيها الآباء! بنفس الطريقة التي تحرصون بها على أن يتفوق أطفالكم في المدرسة وفي اكتساب المعرفة، عليكم أن تهتموا بطبيعة تربيتهم، لتنقية سلوكهم وشخصيتهم، ولكي يجمع الطفل بين فئتي المعرفة: معرفة الدنيا ومعرفة الآخرة. قال الله عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا، احفظوا أنفسكم وأهليكم من نار وقودها الناس والحجارة».
قال الإمام الشافعي: «لقد كرست سنتين للبحث عن العلم وثماني عشرة سنة لاكتساب الأدب والأخلاق، ليتني كرست العشرين سنة لتعلم الأدب».
لماذا لا يتم إيلاء الاهتمام لهذا الجانب من الدين الذي يصقل شخصية الأطفال والفتيات ويطورها؟
لا يحضر دروس القرآن إلا عدد قليل من أبنائنا. متى سيتعلمون مبادئ الدين؟ ومتى سيتعلمون لغة كتاب ربهم ولغة حياة نبيهم ﷺ وكيفية عبادة ربهم بالطريقة الصحيحة؟ إن التربية الروحية للأبناء أمانة، ومسؤولية ستسألون عنها، وإذا لم تقموا بواجب توجيه أبنائكم إلى بيوت الله، وحفظ كتاب الله عز وجل، وفهم دينه، وإدراك أن الله خلقهم لينشأوا على الفطرة الإسلامية. قال النبي ﷺ: «كل طفل يولد على الفطرة»، والفطرة هي الإسلام.
أيها المسلمون، أنتم مسؤولون عن ضياع أبنائكم وبناتكم، وعن انحرافهم، وعن سوء أخلاقهم وتربيتهم. فقد قال: «كل واحد منكم راعي، وكل واحد مسؤول عن قطيعه».
أيها المؤمنون، من بين الأغراض التي تُبنى من أجلها المساجد التعليم، والبحث عن العلم، مثل تعليم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن، ونشر المعرفة. وأي مسجد لا يفي بهذه الوظيفة هو مسجد عديم الفائدة. فإذا كان عدد الحاضرين في دروس الفقه والحديث والتفسير لا يتجاوز بضعة أشخاص بالغين، فكيف لنا أن نشكو من قلة أعداد الأطفال في الفصول الدراسية؟
قيل: «إذا كان رب الأسرة يعزف على الطبلة، فلا تلوم الأطفال عندما يرقصون».
اللهم، امنحنا العلم، واحفظ أبناءنا من الضلال وسوء الخلق، واهدهم إلى الصراط المستقيم، واحفظهم من الشياطين، سواء كانوا من البشر أو الجن، اجعل الإيمان محببًا إلينا، وزينه في قلوبنا، واجعلنا نكره الكفر والفجور والعصيان، واجعلنا من الهُداة، وامنح دعمك للمظلومين، واهزم الظالمين. آمين.
Español

