الحمد لله، الذي جعلنا أفضل أمة بين الناس، وأكرمنا بأفضل كتاب ونبي مرسَل. وقد أنعم علينا بنعم لا حصر لها، وأعطانا نعمة الإسلام.
أيها المسلمون، ما زلنا نعيش في ظل شهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونستنشق عطر أخلاقه. طوبى لمن يتبع طريقه وسنته، وويل لمن يحيد عن رسالته وشريعته.
قال الله عز وجل: «إنكم في الرسول لكم مثالاً حسناً لمن كان يرجو الله واليوم الآخر». إن اتخاذ النبي ﷺ قدوةً هو طريق الأمان وطوق نجاة في بحر من الفتنة والظلام. وقد أرسله الله، سبحانه وتعالى، مرشدًا ومعلمًا ليقودنا إلى رضا الله. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: «إِنَّ اللهَ قد أنعم على المؤمنين بأن أرسل إليهم رسولاً منهم يقرأ عليهم آياته ويطهرهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وقد كانوا من قبل في ضلال مبين».
بالمعرفة والحكمة، تسير على طريق النبي. سُنته هي الطريق المستقيم، ونوره هو المعرفة والحكمة. إن حياة هذا النبي الكريم ﷺ هي مدرسة وتعليم بحد ذاتها. كان نبينا ﷺ لطيفًا في أقواله وأفعاله، وإذا اضطر إلى الاختيار بين أمرين، كان دائمًا يختار الأسهل رحمةً وشفقةً على المؤمنين. يقول الله عز وجل: «رحيمٌ رحيمٌ بالمؤمنين».
ورد عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله متسامح ويحب التسامح في جميع الأمور». باللطف والتسامح والإحسان والاعتدال، دعا النبي ﷺ إلى الإسلام، وبفضل أخلاقه الرفيعة، وبالتيسير دون عنف أو قسوة، جعل أصحابه يحبون الدين. يقول الله عز وجل: «من رحمة الله أنك كنت لينًا معهم؛ لو كنت قاسيًا، قاسي القلب، لابتعدوا عنك». كما كان يعامل الناس معاملة حسنة في كل شيء، حتى في الدين.
قال النبي ﷺ: «إذا أيمّن أحدكم الصلاة جماعة، فليكن رقيقًا مع من يصلي من خلفه، فقد يكون بينهم ضعفاء ومرضى وذوو احتياجات خاصة».
كان ﷺ يحب أمته بأسرها وأصحابه الذين عاشوا معه حبًا لا يوصف، وكان يشتاق إلى بقية الأمة قائلاً: «ليتني أرى إخواني». فقالوا (الذين كانوا يستمعون إليه في ذلك الوقت): «ألسنا نحن إخوانك يا رسول الله؟». فأجاب: «أنتم أصحابي. أما إخوتي فهم أولئك الذين سيؤمنون بي دون أن يروني”. هكذا قسم النبي ﷺ محبته بين أصحابه وإخوته الذين آمنوا به بعد قرون، ولم ينسَ أحداً من أمته.
يأمر نبينا ﷺ بالبر والاعتدال، حتى في الدين، ويأمر بالعدل والإحسان في كل شيء.
وقد تم إرسال ما يلي:
جاء ثلاثة رجال إلى بيوت زوجات النبي ﷺ يسألون عن عبادات النبي ﷺ. ولما أُخبروا بها، بدت لهم قليلة. فقالوا: «إن النبي ﷺ لا يحتاج إلى هذا القدر من العبادات، فقد غُفرت له ذنوبه السابقة واللاحقة. أما نحن فنحتاج إلى المزيد من العبادات!”. فقال أحدهم: “أما أنا فسأقضي الليالي كلها في الصلاة”. فقال آخر: «أما أنا فسأصوم دائمًا». وقال الآخر: «أما أنا فسأبتعد عن النساء ولن أتزوج أبدًا». فجاء رسول الله ﷺ وقال: «هل أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أليس أنا، والله، أكثر تقوى منكم، ومع ذلك أصوم وآكل، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء؟ ومن لم يقدر سنتي وتركها، فليس من أتباعي».
هذا هو الإسلام، هذه هي الشريعة. الاعتدال في كل شيء. كان نبينا أعدل من سار على وجه الأرض. كان عادلاً مع زوجاته وأصحابه وأبنائه. وعندما سُئلت عائشة عن أخلاقه، قالت: «كان خلقه هو القرآن، كان قرآناً يمشي على الأرض».
*********
أيها المؤمنون! إن اللطف يسهل التربية والفهم الصحيح للأمور، ويُوحِّد الأسر، وتدوم الزيجات باللطف والرحمة والشفقة. كم من الأسر تفرقت بسبب الغضب والسخط؟ قال النبي ﷺ: «إذا دخلت اللين في أمر ما، نبلته، وإذا نزعت منه، أفسدته». هذا هو معنى الاحتفال بمولد رسول الله ﷺ، أن نتزين بصفاته، وأن نتبنى أفضل أخلاقه، وأن ندرس حالاته وأخلاقه، وأن نقتدي به في جميع الظروف، سواء في السراء أو في الضراء. كان يعيش لحظات الفرح باعتدال. كان صبورًا، ومنضبطًا، وشاكرًا في السراء والضراء. وكان هذا يشمل جميع المخلوقات، حتى الحيوانات والأشياء. سمع جملًا يئن في المدينة المنورة، فقال لصاحبه: «اتقِ الله في هذا الحيوان الذي عهد الله به إليك». وأمر بالرحمة تجاه جميع الحيوانات، وأمر بالإحسان إليها. وقد علّمنا آداب الذبح، وأمر بشحذ السكين رحمةً بالحيوان. كما نهى عن ذبح حيوان أمام آخر، وكذلك عن شحذ السكين أمامه؛ فكل هذا من الرحمة بالحيوانات.
يا عباد الله! إن ديننا يأمر بالعدل والإحسان ومعاملة الناس معاملة حسنة في جميع الأمور. اعلموا أنكم تستطيعون بالحكمة ما لا تستطيعونه بالقوة. فاتبعوا مثال رسول الله ﷺ في لطفه ورحمته، واتبعوا طريقه وسنته التي لا يضل عنها إلا من يهلك.
اللهم، امنحنا سنة نبيك ﷺ، ولين قلوبنا، ونجنا من الشقاء والقسوة، وارحمنا برحمتك التي تشمل كل شيء. آمين
Español

