الامتناع عن التهاون

الحمد لله، الذي يُحمد بألسنة مختلفة، المعروف بكرمه ورحمته. إنه، سبحانه، يهدي إلى أفضل الكلام، ويهدي إلى طريق يستحق الثناء.

أشكره وأشهد أنه لا إله إلا الله، الذي لا شبيه له. وأشهد أن معلمنا ونبينا وحبيبنا وشفيعنا، محمد، هو عبده ورسوله؛ صادق في القول، كريم في الخلق، شريف في السلوك، فليكن السلام والبركات عليه وعلى أصحابه وأهله.

أيها المسلمون! اتقوا الله في السر والعلن، في القول والفعل، وهذا التحذير اليوم هو تحذير من إضاعة الحياة في التفاهات والباطل، فإننا لم نُخلق عبثًا وسنُحاسب. لا شك أن الطريق إلى النجاح والسعادة للإنسان في هذه الدنيا والآخرة هو تطهير النفس، وصقل القلب، وعدم إهدار لحظات الحياة الثمينة في التفاهات. فالمسلم يقضي وقته في فعل الخير، وفي كل ما يجلب له السعادة والنجاح، في هذه الحياة وفي الآخرة.

لقد وصف الله، سبحانه وتعالى، الناجحين بأنهم أولئك الذين يمتنعون عن العبث ويبتعدون عن الباطل. ومهمة العبد هي عبادة الله وأن يكون خليفته. وكذلك، فإن من لا يشغل نفسه بالحق، سيشغله الباطل. يقول الله عز وجل: «وإذا سمعوا كلاماً باطلاً انصرفوا عنه».

لو توقفنا لتصحيح أخطاء كل جاهل، لما أنجزنا شيئًا في حياتنا، لأن أحدهم يتحدث إلينا بطريقة خاطئة، وآخر يسخر ويستهزئ، وثالث يثرثر ويشتم الآخرين، ورابع لا يغض بصره…  لذا، لا تقلق بشأن هذا النوع من الناس وابتعد عنهم! كما أمرنا الله. يقول الله تعالى: «وابتعد عن الجاهلين». وقال أحد الشعراء: «وإذا وقعت في اختبار أن تكون أمام شخص غير مستقيم، فتصرف وكأنك لا تسمعه، وكأن شيئًا لم يُقال. لأن عليك أن تنظر بنور الله وتبحث عما خصصه الله لك. والجهلاء أعداء بطبيعتهم للدين ولما أنزله الله عز وجل، فلا تهتموا بهم ولا تلتفتوا إليهم. يقول الله عز وجل، واصفاً عبيد الرحمن: «وإذا مروا على الباطل مروا عليها بوقار»، وهذا يشمل كل أنواع الباطل، سواء كانت أقوالاً أو أفعالاً.

أيها المؤمنون! إن الله، سبحانه وتعالى، يذكر الامتناع عن العبث بين واجبين، وهما ركيزتان من ركائز الدين الإسلامي: الصلاة والزكاة. فيقول: «لقد نجح المؤمنون. الذين يحضرون صلاتهم ويخضعون. والذين ينأون عن العبث. والذين يؤدون الزكاة».

ومن بين أسوأ أشكال التفاهة: الافتراءات، والنميمة، والألفاظ البذيئة، وكشف خصوصيات الآخرين، والسخرية منهم، والاستماع إلى الأشياء المحرمة ومشاهدتها. ونتيجة ذلك هي فساد القلب، والابتعاد عن الطاعة، وإنكار الخير.

يا عباده! إن الكثيرين منا يشغلون حواسهم بأقوال وأفعال باطلة، مثل الأكاذيب، والنميمة، والشهادة الزور، والافتراء، والشتائم، واللعنات، أو التشهير. بل إن هناك من يستخدم لسانه لانتقاد شرف الناس بالسخرية والتلميحات والافتراء.

إذا اجتمع المؤمنون، فيجب عليهم ذكر الله، لأن النبي ﷺ قال: «إذا اجتمع جمع من الناس في مجلس، ولم يذكروا الله عز وجل فيه، ولم يدعوا بالبركة على النبي ﷺ، فذلك خسارة لهم، وعذاب، فإن شاء الله يعاقبهم، وإن شاء يغفر لهم».

لذلك، فإن المجالس لها كفارة علمنا إياها النبي ﷺ: «من جلس في مجلس وتكلم فيه كثيرًا، ثم قبل أن ينهض من المجلس قال: «سبحانك وحمدًا لك يا الله! أشهد أنه لا إله إلا أنت، وأستغفرك وأتوب إليك». فسيُغفر له ما حدث في اجتماعه». رواه أبو داود.

أيها المؤمنون! لقد مدح الله في كتابه أولئك الذين ينأون بأنفسهم عن الأحاديث الباطلة والهراء، وقال: «وذلك لأنهم إذا سمعوا كلاماً باطلاً انصرفوا عنه وقالوا: لنا أعمالنا وللكم أعمالكم. السلام عليكم، لا نبحث عن الجاهلين». وال«لغو» هو كل ما هو تافه وعديم الفائدة، وكل ما يشتت انتباهك عما هو أهم، مثل البيع والشراء وقت الصلاة. يقول الله عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا! إذا نُادي للصلاة يوم الجمعة فأسرعوا إلى ذكر الله وأتركوا كل بيع؛ ذلك خير لكم إن كنتم تعلمون». كل عقد يُبرم في وقت صلاة الجمعة باطل، مهما كان، وكل اجتماع أثناء الصلاة باطل، فهو تافه ومضيعة للوقت، وكل درس أثناء الصلاة تافه لأن الصلاة هي الوقوف أمام الله في وقت محدد. هل يوجد حقًا شيء يستحق كل هذا العناء لدرجة إلغاء أو تأجيل هذا الموعد مع الخالق؟

يُذكر في الحديث الذي يُتلى قبل الخطبة: «من قال لصاحبه أن يصمت فقد ارتكب تافهة، ومن فعل ذلك فلن تُحسب صلاته». وفي حديث آخر: «من لمس الحجارة فقد ارتكب تافهة». ويشمل لمس الحجارة كل ما يشتت الانتباه داخل المسجد، مثل الرسم على السجادة، واللعب بالأصابع، والتلاعب بالهاتف، وعرقلة الصفوف، والقفز بين الناس للوصول إلى صف ما، فكل هذا من العبث. وعلى المؤمن أن يحذر من كل ما يسبب تشتيت الانتباه بين الناس داخل المسجد.

فاتقوا الله، أيها العبيد، وابتعدوا عن الجاهلين، وتوبوا إلى ربكم قبل فوات الأوان، وانتبهوا لأقوالكم وأفعالكم، لأن كل كلمة أو فعل يُدوَّن لصالحكم أو ضدكم.

اللهم، احفظ ألسنتنا من الافتراءات والنميمة والسخرية، وتقبل توبتنا. فأنت الرحيم. اللهم، اهدنا، وأعدنا إلى الحق وإلى صراطك المستقيم، وساعد إخواننا المضطهدين. واهزم الظالمين أينما كانوا. اللهم، انظر إليهم بعينيك اللتين لا تنامان أبدًا. آمين. وأستغفر الله لكم ولنفسي.