
الحمد لله الذي خلق الإنسان من روح واحدة.
أيها المؤمنون، اعلموا أن الوحي لخص الإيمان بأنه أخوة في الله عندما قال: «المؤمنون إخوة، فاصلحوا بين إخوانكم واتقوا الله لعلكم ترحمون». ولا إيمان لمن لا إخوة له.
خلق الله بين المسلمين أخوة أقوى من أخوة النسب أو الدم، وحث على تعزيز بنيتها، وحذر من أي فعل قد يضر بها، لأن وجود الإخوة في الدين يضمن المساعدة المتبادلة للبقاء على الاستقامة وفعل الخير. ومن خلال هذه الأخوة تتحقق جميع الأهداف، وتتحد كلمات المؤمنين، وينمو الحب بين الناس. يقول الله تعالى: «اذكروا نعمة الله عليكم، إذ كنتم أعداءً فجمع بين قلوبكم، وبفضل الله أصبحتم إخوةً».
عباد الله، الإنسان ضعيف بذاته وقوي بإخوانه. يقول الله عز وجل: «خلق الإنسان ضعيفًا». كل إنسان يحتاج إلى أخ في الدين وفي الدنيا، فهو كاليد التي لا تستطيع التصفيق لوحدها. قال أحد الحكماء: «الحمل الذي يُقسَّم بين الناس يصبح خفيفًا». وقد حذر نبينا ﷺ من الأفعال التي قد تهز أركان الأخوة، وحرم ما يضر بالصداقة بين شخصين. وقال، صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم، فلا يظلمه ولا يسلمه لظالم»، وقال أيضًا: «من الشرك أن يحتقر الرجل أخاه المسلم. كل مسلم مقدس عند أخيه المسلم، مثلما هي مقدسة دمه وماله وشرفه».
يُذكر في الحديث: «المؤمن مرآة لأخيه»، أي أن عيوبه تنعكس على أخيه، كما لو كان أمام مرآة شفافة ونظيفة، لأن المرء أمام مرآة متسخة بالكاد يستطيع أن يرى شكل وجهه، وكذلك الأخ الذي لا ينبهك إلى عيوبك ولا ينصحك، فإن نواياه غير صافية. لو كانت نيته حسنة (أو صافية)، لكان نبهك إلى كل عيب يراه فيك، ونصحك، ووجهك، وغطى عيوبك، ونسي ما رآه فيك ودفنه، كما يحدث عندما تتوقف عن النظر في المرآة، فيختفي كل شيء. وكذلك الحال بالنسبة للمؤمن، الذي يحفظ أسرارك في غيابك ولا يكشف عن عيوبك.
روى النعمان بن بشير، رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «مثال المؤمنين في محبتهم ورحمتهم وتعاونهم بعضهم مع بعض كجسد الإنسان: فإذا تألم عضو منه، تألم بقية الجسد بالحمى والأرق». هذه تشبيه نبوي بليغ. فقد شبّه النبي ﷺ المؤمنين بجسد واحد. فإذا لم تشعر بألم أخيك، فاعلم أنك عضو مقطوع من جسد الإيمان. قال النبي ﷺ: «إن المؤمنين كبناء، كل جزء منه يقوي الآخر»، وعندما قال ذلك، شبك النبي ﷺ إصبعين من أصابعه، أي أن تشارك إخوانك أفراحهم وأحزانهم، وأن تدعمهم سواء كانوا ظالمين أو مظلومين. وقد ورد في حديث أن النبي ﷺ قال: «ساعد أخاك سواء كان ظالماً أو مظلوماً»؛ فقال رجل: «يا رسول الله، أعلم أن عليّ أن أساعد المظلوم، ولكن كيف أساعد الظالم؟»، فأجاب: «بإرشاده ونصحه حتى لا يظلم الآخرين، هكذا تساعده».
من سمات الأخوة أن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك، وأن تعاملهم بلطف سواء في الخفاء أو في العلن. «من أراد أن ينجو من النار ويدخل الجنة، فليؤمن بالله ويوم القيامة إيمانًا راسخًا حتى يموت، وليعامل الناس كما يحب أن يُعامل». حديث رواه مسلم.
من بين أسباب انهيار الأمة وتدهورها، الشعور بالكراهية الشديدة تجاه الآخرين، والسخرية منهم، والغيبة عنهم، وازدراءهم في حضورهم وغيابهم. ألا نعلم أن الله قد حرم هذه الأفعال؟ قال سبحانه وتعالى: «يا أيها الذين آمنوا، لا يسخر بعضكم من بعض، لعلهن أفضل منهن، ولا تسخرن بعضكن من بعض، لعلهن أفضل منكن».
*****************************
اعلموا أن النعمة العظيمة التي هي الإسلام قد وصلت إلينا عن طريق الإخوة، والتي من خلالها نشر رسول الله ﷺ رسالته وسنته، وأن الإخوة هم أساس هذا الدين، وأن سفينة الإسلام قد رسوت على أركانهم. وكان أول ما فعله النبي ﷺ بعد الهجرة هو إبرام عهد الأخوة بين المهاجرين والأنصار، وقد منح الله المهاجرين إخوة في الدين تعويضاً عن إخوتهم بالدم الذين تركوهم في مكة.
نما الحب بفضل الأخوة، حيث كان الجميع يتفقون على هدف واحد، وأثمرت المودة بين المهاجرين والأنصار، كما يقول الله تعالى في القرآن الكريم: «ووحّد قلوبهم. «ولو أنفقت ما في الأرض كلها لما استطعت أن توحد قلوبهم، لكن الله وحدها».
اللهم، طهر قلوبنا من الكراهية والحسد والسخرية من الآخرين، واجعلنا نحب الدين وزينه في قلوبنا، واحفظنا من العداوة والكراهية. آمين
والحمد لله رب العالمين.
Español

