أولئك الذين يسارعون إلى فعل الخير

الحمد لله، الذي يهدي من يشاء إلى فعل الخير وترك المعاصي، ويفتح القلوب على الطاعة، ويجعلهم مؤمنين وصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله، خالق الأرض والسماوات، وأن محمدًا عبده ورسوله. صاحب الراية المربوطة، وصاحب الحوض المبارك، وصاحب المكانة الجليلة، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ومن اتبع طريقه وخطاه حتى يوم القيامة.

يقول الله تعالى: «إن الذين يرتعدون خوفاً من ربهم، والذين يؤمنون بآيات ربهم، ولا يشركون بربهم شيئاً؛ والذين ينفقون مما رزقوا، ويخافون في قلوبهم من العودة إلى ربهم». سورة المؤمنون. هذه هي صفات أولئك الذين يسارعون إلى فعل الخير. فمن يسبقون في فعل الخير في الدنيا، سيكونون أول من يدخل الجنة يوم القيامة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أوقفته أعماله (يوم القيامة)، فلن ينفعه نسبه». لذا استمعوا إلى هذه الصفات التي ذكرها الله في هذه الآية، وإذا كانت تنطبق عليك، فستكون من الذين يسارعون إلى فعل الخير.

الأولى، «الخاشعة»: أولئك الذين يرتجفون خوفاً من ربهم. أي أن يكون المرء واعياً بوجود الله عز وجل في السراء والضراء. الجميع يدّعون الخوف، لكن أفعال الناس ومعاملاتهم هي التي تثبت ذلك. وخشية الله هي عدم تجاوز حدوده والالتزام بأوامره: أن تفعل ما يأمرك به وتتجنب ما يحرمه عليك، وكذلك أن تأمل رحمته وتخشى عقابه، لأنه غفور رحيم، وعقابه أليم. قال الحسن البصري: «المؤمن يجمع بين الإحسان والخوف، والكافر يجمع بين الشر والأمل الزائف». والفرق بين «الخوف» و«التقوى» هو أن «الخوف» هو خوف مصحوب بإدراك من يُخشى. قال الله عز وجل في سورة الفاتح (الخالق): «إنما يتقون الله أولو العلم من عباده؛ إن الله عزيز غفور». لأن أهل العلم هم الذين يعرفون الله أكثر من غيرهم. والخوف هو ذروة التقوى. وقد شرحه علي (رضي الله عنه) بقوله: «الوعي بالجليل، والعمل بالتنزيل (القرآن)، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل».

ومن صفات الذين يسارعون إلى فعل الخير الإيمان بآيات ربهم. وقد قال ابن كزير إن المقصود بالآيات (آيات): آيات الكون وآيات الشريعة. أما آيات الكون فهي السماوات والأرض والبحار، وهي تستدعي من المؤمن أن يتأمل هذا الكتاب المرئي. أما آيات الشريعة فهي القرآن الكريم، على سبيل المثال، الذي يعد معجزة من الله عز وجل.

تحدث الله عن فرعون فقال: «وأظهرنا له آياتنا كلها، لكنه أنكرها». وقال عن مريم: «وأطاعت كلام ربها وكتابه، وكانت من المطيعين. ثم قال: «والذين لا يشركون بربهم شيئًا».

اعلموا أن أكبر الذنوب هو الشرك. فقد صرح الله عز وجل في كتابه أنه لا يغفر أن يشرك به شيئًا، ولكنه، بخلاف ذلك، يغفر لمن يشاء. والشرك يبطل الأعمال، حتى لو كانت كالجبال. وقد يقع الإنسان في الشرك دون أن يدرك ذلك. وعلى المؤمن أن يحافظ على إمامه، ويحذر على دينه، ويكون مخلصاً في أعماله. ثم تلي الآية: «والذين ينفقون مما أُعطيوا، ويخافون في قلوبهم من أن يعودوا إلى ربهم». هؤلاء هم الذين يعملون الصالحات ويقدمون الصدقات والصيام… ويخشون ألا تُقبل منهم. وقلوبهم ترتجف، ولا يتفاخرون بأعمالهم ولا بأنفسهم.

سألت عائشة، أم المؤمنين، النبي ﷺ عن معنى هذه الآية: «هل هو الرجل الذي يرتكب الذنوب الكبرى ويخشى العقاب؟». فقال: «لا يا ابنة الصديق، بل هو الرجل الذي يصلي ويصوم ويتصدق، لكنه يخشى ألا تُقبل منه». قال عبد الله بن أبي ملائكة: «لقد عشت في زمن عاش فيه أكثر من ثلاثين من الصحابة، وكان كل واحد منهم يخشى أن يكون منافقاً». قال عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما: «لو علمت أن سجودة واحدة قد قُبلت مني، لكان ذلك خير لي من هذه الدنيا وما فيها». لأن الله عز وجل قال: «إن الله لا يقبل إلا الصالحين». وعندما كان سيدنا إبراهيم يبني الكعبة، كان يقول كلما وضع حجراً: «ربنا، تقبلنا، إنك السميع العليم». وروى ابن كزير، عن أحد السلف، أنه قال: «سبحان الله، صديق الرحمن يبني بيت الرحمن بأمر الرحمن ويخشى ألا يُقبل!»

أيها المؤمنون، تقول الآية من سورة المؤمنون: «هؤلاء هم الذين يسارعون إلى عمل الخير، وهم أولوها». وقد أوضح الله سبحانه وتعالى أن المقصود بهذه الأوصاف هم أولئك الذين يسارعون إلى فعل الخير ويتنافسون في الخير. ويقول الله سبحانه وتعالى في سورة الواقعة: «والسباقون. يا السابِقين! أولئك هم الذين سيكونون قريبين في جنات النعيم».

أيها المسلمون، عليكم أن تضعوا أعمالكم في الميزان لتروا ما إذا كانت تتسم بهذه الصفات، وما إذا كنتم من المشمولين في هذه الآية الكريمة.

اللهم، اجعلنا من أولئك الذين يبادرون إلى فعل الخير، وقبل توبتنا، فأنت السميع العليم، امنحنا الإخلاص في القول والفعل، وتقبل توبتنا، فأنت الرحيم، واجعلنا من القائلين الفاعلين، وساعدنا ولا تكن علينا. اللهم، أهدِ الأمة وأخفض الأسعار، وافتح لنا أبواب الخير واليسر، وأغلق عنا أبواب الشر والعسر، وارحم المظلومين الذين ما زالوا يتعرضون للقتل والتعذيب والتشريد والإهمال، واحفظهم بعينيك التي لا تنام. اللهم، اهزم الظالمين والمعتدين الذين يفسدون ولا يصلحون، وادعم المظلومين، واقبل موتاهم شهداءً. آمين.