أول ما أود قوله هو أنه لشرف عظيم وسرور كبير لي أن أكون اليوم بينكم، وأشارككم هذا الوقت، الذي آمل أن يكون مفيدًا للجميع، وألا يكون مملًا، وأن يكون قبل كل شيء وسيلة لإلقاء بعض الضوء وتوضيح ماهية الإسلام.
لذلك أود أن أعرب عن شكري لهذه المدينة، ولأفراد مجلس البلدية، ولجميع الذين يبذلون جهدهم كل عام ويحرصون على استمرار هذا الحدث الرائع، ليحقق النجاح الذي حققه في دورته الأولى، منذ سنوات عديدة.
والحقيقة هي أن مفتاح نجاح هذا الحدث، ونجاح هذه الندوات، يكمن بالضبط في توق الناس ورغبتهم في أن يحدث ذلك؛ لو أن المسؤولين عن تنظيم هذا الحدث لم يقوموا به بنفس الدافع والشغف والحماس الذي يبدونه، لرأينا كيف أن كل دورة ستتضاءل وتتراجع، لكن الحقيقة هي أن الأمر ليس كذلك، بل على العكس تمامًا، فكل دورة تتفوق على سابقتها، وذلك بفضل هذا الجهد؛ ولذلك، من أعماق قلبي أود أن أغتنم هذه الفرصة التي أتيحت لي لأشكرهم على هذا الجهد والتفاني، الذي نرى نتائجه هنا الآن، ونراها أيضًا عندما نخرج من هذه القاعة لنجد الشوارع مكتظة بالناس.
كما أعبّر عن امتناني لإتاحة الفرصة للجالية الإسلامية في إسبانيا للمشاركة في هذه الندوات، وهي ندوات بالغة الأهمية بالنسبة لنا، حيث تتيح لنا الفرصة لعرض وتوضيح وشرح، أو على الأقل محاولة القيام بذلك، ماهية الإسلام الحقيقية.
وهذا أمر يستحق الشكر، لأن الإسلام، للأسف، لا يمر اليوم بأفضل أوقاته، فهو في عين الإعصار؛ فهناك الكثير مما يُقال عن الإسلام، والبرامج التلفزيونية التي تستضيف «خبراء في الإسلام» لا تنقطع، والمناظرات الإذاعية التي تستضيف «خبراء في الإسلام»؛ لكن الأكثر إثارة للدهشة بالنسبة لي في كل هذا هو أن هؤلاء الخبراء أو كبار المتخصصين في هذا المجال ليسوا مسلمين بأي حال من الأحوال… لذلك، فإن ثقة مجلس بلدية ألموناستر بنا نحن المسلمين للحديث عن الإسلام هي أمر يستحق الذكر والتقدير.
عنوان هذه المحاضرة، أو بالأحرى هذه الكلمات، لأن تسميتها «محاضرة» تبدو لي رسمية أكثر من اللازم، هو: «الإسلام، الطريق الوسط»، أو يمكننا أن نقول أيضًا: الإسلام، طريق التوازن، أو طريق الوسط. بعبارة أخرى، الإسلام، الطريق الذي يقع بين الطرفين. وهنا نلمس قليلاً نقطة حساسة فيما يتعلق بالتطرفين، ثم سنلمسها أكثر بعد ذلك، مع ذلك «الخرافة» التي نسمعها للأسف كثيرًا في أيامنا هذه عن التطرف الإسلامي.
لقد استخدمتُ كلمة «أسطورة»، لأنكم ستسمحون لي أن أقول إنها أسطورة، وسأحاول خلال هذه المحاضرة أن أبرهن على أنها أسطورة بالفعل، مهما قصفتنا وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي حتى نجعلنا نعتقد أنها حقيقة، ولكن الحقيقة هي أنه أسطورة بعيدة كل البعد عن الرسالة الحقيقية للإسلام.
عنوان هذه الكلمات مأخوذ من آية من القرآن الكريم، وهي الآية التي يقول فيها الله تعالى: «وهكذا جعلناكم أمة وسطًا…» «أمة وسطًا». يقول المفسر الكبير للقرآن، الإمام القرطبي، من قرطبة، هو وغيره الكثيرون، إن كلمة «الوسط» تعني العدل والتوازن، أي اتباع الطريق الوسط بين طرفين متطرفين دون قصور أو تجاوز.
لذا، إذا أعادنا صياغة هذه الآية من القرآن، يمكننا أن نقول ما يلي: «لقد جعلنا المسلمين يسلكون طريقاً عادلاً ومتوازناً، طريقاً وسطاً، أسلوب حياة بعيداً عن أي من الطرفين». وهذا هو الإسلام حقًّا، طريق التوازن، طريق العدل، الطريق الوسط.
لنضرب مثالاً آخر يؤكد أكثر ما نقوله، وهو مأخوذ من بعض أقوال وأفعال نبي الإسلام، النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، الذي أرسل رحمة للعالمين. وكانت الكلمات عندما قال ما معناه: «… لتحقيق هدفك، اتبع دائمًا طريقًا وسطًا، معتدلًا وثابتًا».
أما الحادثة فهي قصة جميلة وذات مغزى كبير، حيث ذهب ثلاثة رجال من المسلمين لرؤيته ليعطيهم بعض النصائح حول ما يمكنهم فعله لتحسين حياتهم. ذهبوا إلى منزله بهذه النية، لكنهم وجدوا أنه غير موجود في المنزل، وكانت زوجته عائشة هي الموجودة، فأخبرتهم أنه غير موجود، وبعد أن سألتهم عن نيتهم، قالت لهم إن النبي إنسان مثلهم تمامًا. فبدأ هؤلاء الرجال الثلاثة يتحدثون فيما بينهم بحضور عائشة، وانطلاقاً من رغبتهم وتوقهم إلى أن يصبحوا أفضل، قال أحدهم: «سأصوم من الآن فصاعداً كل يوم، حتى أقترب أكثر من الله». وقال آخر: «أما أنا فسأقضي الليل بأكمله في الصلاة لله، فقد سمعتُ أن ذلك من أفضل الأعمال». وقال الثالث: «أما أنا فسأفصل نفسي عن زوجتي ولن أعاشرها أبدًا بعد اليوم».
وعندما عاد النبي محمد إلى بيته، أخبرته زوجته بما حدث، فغضب النبي غضبًا شديدًا وأمر باستدعاء هؤلاء الرجال الثلاثة، ولما حضروا أمامه قال لهم: «انظروا إليّ. أنا أتقي الله أكثر من أي واحد منكم، لكنني أصوم وأفطر، وأصلي ثم أرتاح، وأتزوج النساء. ومن لا يحب سنتي فليس معي".
ما تظهره هذه الحادثة والعديد من الحوادث المماثلة هو أن النموذج، المثال الذي يجب على كل مسلم أن يتبعه في حياته، والذي يجب على كل مسلم أن يتخذه نموذجًا يحتذى به، كان الرجل الأكثر توازنًا واعتدالًا، وفي معظم المواقف التي مر بها طوال حياته، كان يسلك الطريق الوسط ويعلّم الآخرين أن يحذوا حذوه.
لماذا ذكرت هذين المثالين؟ لقد فعلت ذلك لإثبات أن المصدرين الرئيسيين للإسلام، الينبوعين اللذين يتغذى منهما الإسلام، المصدران اللذان يُستمد منهما العقيدة والسلوك في الإسلام، وهما القرآن والسنة –طريقة التصرف– للنبي محمد، هما التعريف الأوضح والأقوى والأكثر حسمًا الذي يبيّن كيف أن التطرف لا مكان له في الإسلام.
لقد كانت هذه، وستظل دائمًا، تعاليم الإسلام؛ وقد كان هذا، وسيظل دائمًا، جوهر الإسلام ونقاوته، وكل من درس قليلاً من التاريخ سيدرك أنه في جميع الأماكن التي انتشر فيها الإسلام، في مختلف أنحاء العالم، كان روحه وجوهره هو الطريق الوسط، طريق الإنصاف، طريق التوازن.
وقد عبر عن ذلك أيضًا أحد عظماء علماء الإسلام، وهو رجل من المفارقات (وهذه إحدى أكبر المفارقات في تاريخ الإسلام) أنه شخص تم اعتباره لاحقًا مرجعًا من قبل أناس يمكن وصفهم دون مواربة بأنهم متطرفون، وهذا الرجل هو ما يُعرف باسم ابن القيم، وقد قال ما يلي: «في كل ما أمرنا الله به، هناك طريقان يأتي فيهما الشيطان ليحرضنا: إما أن نقصر في ذلك ونتخلى عنه، أو أن نبالغ فيه. والإسلام يقع بالضبط في الوسط بين من يتركون العمل ومن يتطرفون أو يفرطون. إنه كوادي بين جبلين، والهدى بين اتجاهين يقعان في الضلال، وطريق محمود بين طريقين مستهجنين».
وقد رأيتُ أنه من الضروري أن أبدأ بهذا لسببين: أولاً، لفصل الإسلام عن أي نوع من السلوك المتطرف الذي يمارسه بعض الناس الذين يصفون أنفسهم بالمسلمين، لكنهم لم يفهموا روح الإسلام وتعاليم القرآن الكريم والنبي محمد.
وثانياً، وليس لأن هذا السبب يأتي في المرتبة الثانية يعني أنه أقل أهمية، فقد ذكرتُ ذلك لأعلن بصراحة تامة أن أي سلوك يندرج حقاً ضمن معايير الممارسة الإسلامية الأصيلة لا يمكن أبداً وصفه بأنه متطرف. لماذا؟ لأن التعاليم الحقيقية للإسلام، كما نرى، بعيدة كل البعد عن ذلك.
ومن الضروري قول كل هذا، لأننا نحن المسلمين أنفسنا نتألم كثيرًا، بل كثيرًا جدًّا، من استخدام كلمة «متطرف» و«التطرف» وكأنهما مرادفان للإسلام. ومن واجبنا وواجبنا أن نقول ونكرر قدر ما يلزم أن الإسلام بعيد تمامًا عن أي نوع من التطرف.
ما الذي يحدث إذن؟ ما هو الوضع الذي نواجهه اليوم؟ هناك جهل كبير ومؤسف ومؤلم بماهية الإسلام الحقيقية، وقد وصل هذا الأمر إلى درجة كبيرة، وانتشر بشكل واسع في المجتمع الذي نعيش فيه، لدرجة أن الأفعال العادية واليومية لأي مسلم، أفعال المسلمين الذين لا يفعلون شيئًا سوى الالتزام بالمبادئ الأساسية لدينهم، تُعتبر من قبل عامة الناس أفعالًا متطرفة أو أفعالًا قد تؤدي إلى الانجرار إلى تيارات التطرف.
يخصص المسلمون في جميع أنحاء العالم جزءًا من يومهم للصلاة، التي تُؤدى خمس مرات في اليوم. وبالنسبة للغالبية العظمى من أفراد مجتمعنا الملحدين، الذي يتسم بطابع علماني ساحق، يبدو هذا وقتًا طويلاً للغاية يُكرس للعبادة الدينية اليومية. لكن بالنسبة للمسلم، فهذا أمر طبيعي تمامًا.
ولم يمض وقت طويل منذ أن أكملنا شهر رمضان. وبالنسبة لغالبية الناس، فإن الامتناع عن الأكل والشرب لمدة تسع عشرة ساعة حارة تقريبًا كل يوم وطوال شهر كامل هو أمر لا يمكن تصوره. ومع ذلك، فإن ملايين المسلمين من جميع الأعمار يفعلون ذلك بكل طبيعية ويستفيدون منه استفادة كبيرة. ما يحدث هو أن هذا يبدو أمراً متطرفاً بالنسبة لكثير من الناس في عصرنا هذا.
لذلك، نحن نعيش في عالم يتجلى فيه كل ما نتحدث عنه، عالم يُتهم فيه كل من لا يتبع قواعد المجتمع العلماني، أو ما يُعرف بـ«الصواب السياسي»، خاصةً إذا كان اسمه أحمد أو فاطمة، بأنه يتصرف بطريقة متطرفة. ويمكننا أن نرى أمثلة كثيرة على ذلك، مثل كيف أن الشخص الذي يبدأ في أداء الصلاة، أو يتلو القرآن الكريم، أو يتحدث العربية، أو المرأة التي ترتدي الحجاب بعد أن كانت لا ترتديه من قبل، يبدأ في التعرض للنظرة السلبية ويُقال عنه إنه لديه ميول متطرفة.
لماذا يحدث هذا؟ لأنه يجب محاربة التطرف وهزيمته مهما كلف الأمر، ولاحظوا أنني أتفق تمامًا مع هذا القول، وكل مسلم فهم رسالة الإسلام يتفق تمامًا مع ذلك أيضًا، لأنه يعلم أن الإسلام بعيد تمامًا عن التطرف وبأي شكل من أشكاله.
المشكلة هي أنه لا يُعرف ما هو التطرف، حيث إن مفهوم ومعنى التطرف لا يظهران أبدًا محددين بوضوح، وكما رأينا، من السهل جدًّا إلصاق هذه التسمية بالمسلمين العاديين الذين لا يفعلون سوى العيش بحياة طبيعية تمامًا. وفيما يتعلق بالممارسات المعتادة في الإسلام، كيف يمكن لغير المسلمين أن يعرفوا ما هو متطرف وما هو غير متطرف؟ فالعديد من الرجال المسلمين لديهم لحى طويلة وكثيفة، ومعظم النساء المسلمات يغطين شعرهن. وكما قلتُ سابقًا، يُصنف هذا أحيانًا على أنه تطرف.
ما أريد أن أصل إليه من كل هذا هو أنه، عند تصوير التطرف غير المحدد تمامًا والمرتبط بالإسلام على أنه العدو العام في عصرنا هذا، هناك خطر حقيقي جدًا من وصم جميع المسلمين بأنهم متطرفون. وهذا أمر لا يجب أن نسمح به، سواء كنا مسلمين أم غير مسلمين.
ومع ذلك، فليس كل شيء وردية، ولا بد من الحديث عن حقيقة أخرى حاضرة بقوة في أيامنا هذه، وهي أن هناك أشخاصاً، يُدعون أحمد وفاطمة، ويصفون أنفسهم بأنهم مسلمون، يرتكبون بالفعل أعمالاً متطرفة. يُنظر إلى هؤلاء الأشخاص على أنهم متطرفون من قبل الجميع، من قبل المسلمين وغير المسلمين، ومن قبل المؤمنين وغير المؤمنين، ولا شك في ذلك.
ماذا يحدث لهؤلاء الناس؟ ماذا يحدث مع تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) و«القاعدة»، والمنحرفين الذين يتبعونهم ويتأثرون بهم؟ إنهم لم يفهموا شيئًا، ولا يدركون ماهية الإسلام، أو الأسوأ من ذلك — وهذا خطأ جسيم — أنهم يأخذون من القرآن والحديث – أقوال وسلوك النبي محمد – ما يناسبهم، ويتركون ما لا يناسبهم؛ يأخذون ما يتناسب مع دعايتهم الإرهابية والتطرفية، ويفصلونه تمامًا عن معناه الحقيقي ويقولون: «هذا هو الإسلام، ومن لا يتبع هذا فهو كافر يجب قتله».
إنهم أناس يغيرون الإسلام، ويغفلون جوهره الحقيقي المتمثل في التوازن والوسطية، وكونه شيئًا عضويًّا وحيًّا، قائمًا على الاحترام والرحمة، ويحولونه إلى شيء جامد ومتشدد، لا مكان فيه للحب والتعايش. كل ما يتعلمونه عن الإسلام منفصل عن الظروف المحيطة، ومجرد من سياقه التاريخي ومن الحقائق العالمية والاجتماعية لعصرنا. تفسيراتهم الحرفية، التي تفتقر إلى المعرفة والحكمة، تُنقل ببساطة إلى بيئاتهم وحياتهم، ويقومون بذلك بلا روح وبلا أي نوع من الخير أو الرحمة.
إنهم أشبه بجراح قلب غير مؤهل يفصل القلب عن الجسد، لكنه لا يملك أدنى فكرة عن كيفية إبقائه حيًا ثم زرعه في الشخص الذي يحتاج إليه. وفي نهاية المطاف، فإن كل ما يفعله هو قتلهم جميعًا.
يصفون أنفسهم بأنهم أتباع الإسلام، ويطلقون على أنفسهم اسم المسلمين، والمنقذين، ومن يفهمون طريق الإسلام، ومن سيعيدون للإسلام كل مجده وروعة… اسمحوا لي أن أشك في ذلك وأن أنكره، لكن هذا ليس، ولن يكون أبدًا، طريق الإسلام.
هؤلاء الناس يأخذون من القرآن ما يناسبهم، ويخرجونه تمامًا عن سياقه ويقولون «هذا ما يجب فعله». لكن هؤلاء الناس، الذين يتخذون القرآن راية لهم، ينسون — في أحسن الأحوال — أو يتجاهلون عن عمد — في أسوأ الأحوال — آية منه يُعد فهمها أمراً جوهرياً في عصرنا هذا، وهو الآية التي يصف فيها الله نبيه قائلاً: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».
هذه الآية من القرآن عظيمٌّ، ورائعٌّ، لماذا؟ لأن من هو قدوتنا، الذي يجب على كل مسلم أن يتبعه ويقتدي به في حدود إمكانياته وقدراته، قد أُرسل رحمةً للعالمين. ما معنى هذا؟ إنه يعني أن كل مسلم، وكل من يتبع محمدًا، عليه واجب — وليس مجرد توصية، بل واجب — أن يسعى جاهدًا ليكون هو أيضًا رحمة للعالمين.
هل يعرف أحد ما فعله نبي الإسلام، النبي محمد، الذي يدعي هؤلاء الأوغاد أنهم أتباعه، وأنا أنكر ذلك وسأنكره كلما دعت الحاجة، عندما وصل إلى مكة، المدينة التي كان قد طُرد منها، المدينة التي كان سكانها على مدى أكثر من عشرين عامًا قد أهانوه، وأساءوا معاملته، وذموه، وهاجموه، بل وحاولوا اغتياله؟ هل قتلهم؟ هل عاقبهم؟ هل سجنهم؟ كلا، بل غفر لهم جميعًا، وأعلن عفوًا عامًا، وقال: «لا تخافوا، لن يكون هناك انتقام منكم، فاليوم قد غُفر لكم جميعًا». هذا هو الإسلام حقًا، وهذا هو الطريق الوسط والمتوازن في الإسلام، وهذا هو النموذج الذي يجب أن نقتدي به، وليس النموذج الذي يحاولون بيعه لنا باستمرار.
ومن الأمثلة الأخرى حالة «عمر بن الخطاب»، الخليفة الثاني في الإسلام، الذي يُتهم ظلماً بأنه متعنت وقاسٍ ومتطرف. ماذا فعل هذا الرجل، الذي قضى أكثر من 20 عامًا تحت نور النبي محمد وتشرب التعاليم الحقيقية للإسلام، عندما غزا مدينة القدس؟
أول ما فعله عند دخوله تلك المدينة هو توقيع معاهدة مع سكانها، وقد وصلت إلينا هذه المعاهدة عبر مصادر موثوقة، ونصها كما يلي:
«بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ضمان للأمان والاحترام، قدمه عبد الله عمر، أمير المؤمنين، إلى أهل القدس. وقد أُعطوا ضمانة بالأمان لأنفسهم ولأملاكهم وكنائسهم وصلبانهم، وللمرضى والأصحاء في المدينة، ولجميع الطقوس التي تنتمي إلى دينهم. ولن يسكن المسلمون كنائسهم ولن تُهدم. ولن يُلحق الضرر بهم، ولا بالأراضي التي تقع عليها كنائسهم، ولا بصلبانهم، ولا بممتلكاتهم. ولن يُجبروا على اعتناق الإسلام بالقوة.
وعلى سكان القدس أن يدفعوا الضرائب كسكان المدن الأخرى، وعليهم طرد البيزنطيين واللصوص. أما من أراد من أهل القدس الخروج مع البيزنطيين، فليأخذ ما يشاء من ممتلكاته وليترك كنائسه، ونحن نضمن له الخروج من المدينة وأن يكون في أمان حتى يصل إلى ملاذه.
ويجوز لأهالي القرى البقاء في المدينة إن رغبوا في ذلك. ومن يرغب منهم في الذهاب مع البيزنطيين فليفعل، ومن يرغب في العودة إلى أسره فليفعل. ولا يجوز أخذ أي شيء منهم ولا من محاصيلهم.
وإذا سددوا ضرائبهم وفقًا لالتزاماتهم، فإن الشروط المنصوص عليها في هذا النص تكون تحت عهد الله، وتقع مسؤوليتها على عاتق نبيه والخلفاء والمؤمنين».
هذا هو الإسلام، هذه هي «الشريعة» الإسلامية، تلك الكلمة التي يُخشى منها كثيرًا، ويُساء استخدامها، ويُساء فهمها. تلك الكلمة التي عندما نسمعها يتبادر إلى أذهاننا الرجم، والعقوبات، والأحكام، والسجن، وما إلى ذلك… ما هي الشريعة؟ هه. عندما كنت أعد هذه الكلمات ووصلت إلى هذه النقطة، توقفت للحظة، دون أن أعرف جيدًا كيف أتعامل مع الموضوع أو ما هي الزاوية التي سأعرضه منها، حتى قلت لنفسي: «حسنًا يا أحمد، ما أفضل طريقة لوصف ماهية الشريعة من خلال أهدافها، والأسباب التي من أجلها أُقيمت الشريعة».
وهذا أمر جميل جدًّا، وهو ما يُسمى في اللغة العربية «مقاصد الشريعة»، أي أسباب وجود الشريعة، وسبب وجود قوانين الشريعة، والأهداف التي تسعى الشريعة إلى تحقيقها.
وربما تعتقدون أن هذه قائمة طويلة جدًّا من الأمور، وأن الموضوع سيكون تقنيًّا للغاية، وأنكم تريدون الذهاب للتسوق في السوق الرائع؛ أعتذر بشدة لأقول لكم: لا، الأمر ليس كذلك، فهي ليست قائمة لا نهاية لها من الأسباب، وليست تقنية على الإطلاق، وحسناً، إذا كان لديكم القليل من الصبر ورغبتم في ذلك، فأنا لا أجبر أحدًا على البقاء هنا، لكنني أؤكد لكم أن الموضوع مثير للاهتمام للغاية، وأنه سيكشف لنا الجوهر الحقيقي للإسلام ورسالته.
ما هي «مقاصد الشريعة»؟ وأرجوكم أن تسمحوا لي باستخدام الاسم الأصلي باللغة العربية، فمعناه هو «الأسباب» و«الأهداف» و«سبب وجود الشريعة».
خمسة، خمسة أشياء، خمسة أمور، خمسة أهداف، خمسة أسباب. إن مجموع القوانين والأنظمة الإسلامية يهدف إلى حماية خمسة أشياء، فكل تلك الكتب الضخمة المكونة من عدة مجلدات التي تتحدث عن القوانين والأحكام في الإسلام تدور حول خمسة أمور، وانظروا ما أروع هذه الأمور:
1 – حماية الدين، حماية العقيدة، والعبادة، والدين.
2 – حماية الحياة.
3 – حماية العقل.
4 – حماية النسب (ويقول البعض هنا: حماية الشرف).
5 – حماية المال.
هذه الأمور الخمسة هي كل شيء في الإسلام، وهي مصونة في الإسلام، وهي سبب وجود الإسلام، وإذا ما حللناها بالتفصيل، ندرك أنها أساسيات حياة الإنسان، وأسس أي دستور أياً كان البلد، وهي هذه، وهي أسس حقوق الإنسان، هي هذه.
هذا هو الإسلام حقًا، وهذا هو طريق التوازن، وهذا هو الوسط، وكما نرى ونثبت جميعًا، فهو بعيد تمامًا عن التطرف. قبل بضع دقائق، عندما كنا نتحدث عن عمر بن الخطاب، قلنا إنه كان رجلاً تعرض لمدة 20 عامًا لنور الإسلام، وللتعاليم النقية للإسلام، وأن ذلك هو ما غيّر شخصيته، فقد كان بالتأكيد قبل أن يصبح مسلماً شخصاً فظاً، قاسياً، وعنيداً، لكن الإسلام غيّره، الإسلام حوّله.
والحقيقة أن الإسلام في أسمى صوره، الإسلام في جوهره، في روحه التي تحدثنا عنها، في ما أُطلق عليه اليوم اسمًا، لكنه كان في السابق حقيقة واقعة لدى جميع المسلمين، في ما يُسمى علم التصوف، الذي يُعد ابنالعربي، الذي كُتِبَ عنه كثيرًا هذه الأيام في هذه المدينة، هو أحد أبرز ممثليها، يحقق هذا التغيير وهذا التحول في الناس، ويقودهم من التطرف إلى الوسط، ومن الصفات السيئة إلى الصفات الحسنة؛ لذلك يجب ألا نفصل أبدًا بين التصوف والإسلام، لأننا عندئذٍ سنبقى بمنزل بلا سقف، وهذا ما يفعله المتطرفون فعليًّا؛ فهم ينسون السلوك، والخلق، والتطهير، وينسون التصوف، ينسون تطهير أنفسهم، إنهم مثل طبيب القلب الذي ذكرناه سابقًا، يزيلون القلب ويقتلون جسد من أُخرج منه القلب، ويقتلون أيضًا الجسد الذي كانوا سيزرعون فيه القلب.
قال ابن الفريد، وهو أحد كبار معلمي التصوف، واصفًا ماهية التصوف، وواصفًا ما يحول الناس من كائنات حقيرة إلى كائنات سامية:
«يُطهر أخلاق من يمارسونه.
وبذلك، يُهدى من يفتقرون إلى العزم إلى العزم.
فمن لم تكن يده تعرف كيف تعطي، يصبح كريماً.
ومن لم يكن يغفر قط، يصبح صبورًا حتى وهو غاضب».
وعلق الشيخ ابن عجيبة على هذه الأبيات قائلاً: «يستبدل الطبع السيئ بالطبع الحسن، ويستبدل الكسل النشاط والحيوية. ويستبدل البخل والضيق بالكرم والسخاء. ويتحول الغضب والحقد والتهور والعنف إلى نكران الذات ولطف القلب والهدوء والحزم والاتزان. ويتحول الخوف والقلق والإحباط إلى شجاعة ويقين واستقلال عن كل ما عدا الله. ويتحول الشك والارتباك إلى يقين وطمأنينة. ويتحول الإفراط في تدبير الأمور والاختيار إلى قبول وخضوع وسكينة في مواجهة ضربات القدر. ويحل محل الكبرياء والرغبة في المكانة الرفيعة والرتبة والقيادة: التواضع والسلام الداخلي وحب الظلام. ويحل محل حب الدنيا والجشع والخداع: الزهد والقبول والالتزام بالأخلاق. الثروة هي عند الله لا عند غيره. فالتودد إلى الأغنياء والتحالف معهم يُستبدل بالابتعاد عنهم وعدم الحاجة إليهم؛ والتباهي بالارتباط بهم يُستبدل بالرضا بمعرفة الله. ويُستبدل ازدراء الفقراء واحتقارهم بتمجيدهم ورفع شأنهم، والتقرب منهم ومحبتهم».
هذا هو الإسلام، هذا هو طريق التوازن، هذا هو الوسط، الطريق الذي يحول المتطرفين، أياً كان الطرف الذي يقفون فيه، إلى أناس عادلين ومتوازنين، إلى – وأعود الآن إلى البداية، إلى الآية القرآنية التي ذكرناها – أمة تقع في الوسط تماماً.
بعبارة أخرى: جميع العيوب والأمراض الموجودة في الإنسان، والتي تجد مظهرها السلبي الكارثي في التطرف، تتحول مع الإسلام، في أسوأ الأحوال، إلى نقاط ضعف غير مؤذية، أو في أفضل الأحوال، إلى صفات إيجابية تدخل حيز العمل. ولها تأثير ديناميكي وفوري على حياة كل من يجسدها ومن يتعامل معهم.
وقد أورد الإمام سلمي قائمة بالطرق التي يحدث بها ذلك، وهذا أمر ثمين لأنه يصف مسار الإسلام وصفًا تامًا. قال، رضي الله عنه:
- إنهم يجلبون البهجة إلى حياة رفاقهم ويلبون احتياجاتهم بأقصى ما في وسعهم. هل يفعل المتطرفون ذلك؟
- إنهم يتغاضون عن المظالم التي يتعرضون لها، لكنهم حازمون عندما يتعلق الأمر بالعدل تجاه الآخرين. هل يفعل المتطرفون ذلك؟
- يتجنبون انتقاد إخوانهم ولا يلتفتون إلى الأخطاء التي يرتكبونها. هل يفعل المتطرفون ذلك؟
- يكبحون أنفسهم عندما يشعرون بالإهانة، ويحرصون بشدة على عدم الإساءة إلى الآخرين. هل يفعل المتطرفون ذلك؟
- إنهم حازمون فيما يتعلق بممارسة معتقداتهم، لكنهم حريصون على عدم فرض هذه الحزم على الآخرين. هل يفعل المتطرفون ذلك؟
- إنهم كرماء وسخيون. هل يفعل المتطرفون ذلك؟
- إنهم لطفاء مع رفاقهم. هل يفعل المتطرفون ذلك؟
- يسمحون لأصحابهم باستخدام أغراضهم كما لو كانت أغراضهم الخاصة. هل يفعل المتطرفون ذلك؟
- إنهم مضيافون ويدعون الناس لمشاركة طعامهم. هل يفعل المتطرفون ذلك؟
- يحرصون على أن يحصل أصدقاؤهم وجيرانهم، أياً كانت ديانتهم، على ما يحتاجون إليه. هل يفعل المتطرفون ذلك؟
- يكتفون بالقليل، لكنهم يتمنون للآخرين الكثير. هل يفعل المتطرفون ذلك؟
- يقولون الحقيقة دائمًا. هل يفعل المتطرفون ذلك؟
- يوفون بوعودهم ويحافظون على ما يُعهد إليهم. هل يفعل المتطرفون ذلك؟
- يحبون مشاركة أفراح رفاقهم. هل يفعل المتطرفون ذلك؟
- لا يتفاخرون بأنفسهم ولا بأعمالهم الصالحة. هل يفعل المتطرفون ذلك؟
- يبحثون عن الصحبة الصالحة ويتجنبون السيئة كما لو كانت وباءً. هل يفعل المتطرفون ذلك؟
هذا هو الإسلام المطبق عملياً، هذه هي الصورة الحقيقية للإسلام، وليست تلك التي تروجها لنا بعض وسائل الإعلام، وليست تلك الصورة التي نُقصف بها باستمرار لتجعلنا نعتقد عن الإسلام ما ليس فيه. الصورة الحقيقية للإسلام هي هذه، وهي تبعد آلاف الكيلومترات عن الفظائع التي يرتكبها المتطرفون من تنظيم «الدولة الإسلامية» و«القاعدة» وأتباعهم القتلة باسم الإسلام.
هذا هو ما علينا أن نقدمه للبشرية، ولإخواننا في هذا العالم، أياً كانت ديانتهم، وأياً كانت معتقداتهم، وأياً كانت أعراقهم. هذا هو المظهر الخارجي الحقيقي لهذا الطريق الوسط والمتوازن الذي هو الإسلام.
Español

