في الأسبوع الماضي بدأنا الحديث عن بعض الآيات الواردة في ختام سورة التمييز، التي يصف فيها الله عباده. ومن بين صفاتهم، فإن أولها هو التواضع، فالغطرسة والكبرياء لا يتوافقان مع العبودية الكاملة لله والإيمان به.
ويواصل قائلاً إنهم يحمون أنفسهم بكلماتهم من الجاهلين، الذين يصلون في الليل ويطلبون الحماية من النار.
الصفة التالية التي يذكرها تتعلق بالتوازن، وبالطريق الوسط. فيقول: «والذين إذا أنفقوا لم يكونوا مبذرين ولا بخيلين، بل في الوسط بين الأمرين». (25:67)
يقول الله تعالى للرسول في آية أخرى من سورة الإسراء: «ولا تقبض يدك فتخنق نفسك، ولا تمدها كلها فتكون خاسراً عارياً». (17:29)
إن سلوك المسلم متوازن وعقلاني في جميع جوانبه. لم يكن الرسول يرضى عن الأشخاص الذين يتطرفون في أي أمر. ونحن نعرف القصة التي تروي أن ثلاثة رجال جاءوا إلى المسجد بحثًا عن الرسول. كان أحدهم يصوم كل يوم، وآخر يصلي طوال الليل، والثالث قد عزل نفسه عن النساء. وكان رد النبي صلى الله عليه وسلم أنه هو الأكثر تقوى لله، ومع ذلك كان يصوم بعض الأيام ويصوم في أيام أخرى، ويصلي جزءًا من الليل وينام جزءًا منه، ويتزوج.
عندما نفعل شيئًا ما بشكل مفرط، فإن ذلك يكون على حساب شيء آخر، وأجسادنا وعائلاتنا لها حقوق علينا.
قال ابن عباس: «من أنفق مائة ألف في محله، فلا يكون ذلك إسرافاً، ومن أنفق درهماً واحداً في غير محله، فذلك إسراف». وهذه هي الحكمة: وضع كل فعل ومعنى في مكانه الصحيح.
وبعد أن ذكر بعض الصفات، يواصل الله وصفهم من خلال الأعمال السيئة التي ينأون عنها. فالله يأمرنا بأن نعمل الصالحات ونبتعد عن السيئات.
يقول: «والذين لا يستشركون مع الله إلهًا آخر، ولا يقتلون نفسًا حرمها الله إلا بالحق، ولا يزنيون، ومن يفعل ذلك فسيجد عقاب ذنبه». (25:68)
إن استشهاد شيء أو شخص ما مع الله، أو نسب القوة أو السيادة إلى غير الله، أو إشراك شيء معه، هو الذنب الوحيد الذي لا يغفر، كما قال في القرآن الكريم: «إن الله لا يغفر أن يشرك به شيئًا، ولكنه يغفر من يشاء غير ذلك. ومن يشرك بالله فقد اختلق كذباً وارتكب إثماً عظيماً». (4:48)
التوحيد هو أعلى درجات المعرفة. إن وحدانية الله هي أساس الإيمان والدين، كما نعلن بشكل لا لبس فيه في الجزء الأول من الشهادة، فلا يمكن أن يكون هناك موضع عبادة حقيقي سوى الله.
عندما يعبد الناس عن وعي أي شيء آخر، سواء كان أصنامًا أو أيديولوجيات أو أمورًا دنيوية أخرى، كما لو كانت آلهة، فإن ذلك يعد شركًا صريحًا. ولكن هناك طرقًا أخرى أكثر دقة لإقامة الأصنام، وهي عندما تُنسب إلى هذه الأشياء صفات لا تُنسب إلا إلى الإله، إلى الله.
أحد التعريفات التي يقدمها القرآن الكريم لموضوع العبادة هو كل ما يتوجه إليه الناس أملاً في الحصول على نفع أو خوفاً من تلقي ضرر، في حين أنه لا يوجد شيء ولا أحد قادر على إحداث ضرر أو نفع سوى الله. ومع ذلك، فإننا جميعًا، نحن الذين تربينا في عصر المادية العلمية، أصبحنا نعتقد أن الضرر والنفع يمكن أن ينبعان من أشياء أخرى كثيرة، ونميل إلى إسناد الفعالية المطلقة إلى الوسائل التي تصلنا من خلالها الأشياء. وبذلك، فإننا نمنح الأشياء العادية قوة جوهرية، وبذلك ننسب إليها صفات لا يمكن أن تُنسب إلا إلى الحقيقة الإلهية. وحتى لو كان ذلك بشكل لا شعوري، فإننا نحول كل أنواع الأشياء إلى أشياء للعبادة.
لكن الله وحده هو صاحب القدرة. فهو يخلق الأسباب ويخلق النتائج. وتتطابق النتائج مع الأسباب، لكنها ليست هي التي تنتجها. الله يخلق التغيرات في الضغط الجوي والدورات المناخية، كما يخلق المطر والرياح. وهذا هو الحال في كل شيء. فقد خلق الله العمليات الفيزيائية التي بفضلها يقطع السكين الحاد، والتي بفضلها يحرق النار، ولكنه لو شاء لكان بإمكانه فصلها عن بعضها. وعندما أُلقي النبي إبراهيم في النار، قال الله للنار: «كن بارداً وغير مؤذٍ لإبراهيم» (21:69)، فلم تحرقه النار.
نسأل الله أن يجعلنا من أهل الوسط، وأن يحمينا من الشرك بجميع مستوياته، وأن يمنحنا إيمانًا نقيًّا خالٍ من أي غموض.
*****
وبعد أن ذكر استشهاد أو عبادة شيء غير الله، يتابع بذكر أحد أكبر أعمال العصيان والفساد، وهو «ولا يقتلوا نفساً حرم الله قتلها» (25:68). فالحياة حق مقدس تحميه الشريعة، سواء كانت حياة المرء نفسه أو حياة الآخرين، وسلبها من شخص بريء جريمة تعادل «قتل البشرية جمعاء» (5:32)، كما ورد في آية أخرى.
ويواصل قائلاً: «ولا يزنيون».
أي أنهم يحافظون على عفتهم ولا يمارسون الجنس خارج نطاق ما هو مسموح لهم به، أي خارج إطار الزواج. وهذا أمر يحذر منه الله مرارًا وتكرارًا في القرآن الكريم، لأنه من أكبر الغرائز التي يملكها الإنسان. ولتجنب الوقوع في ذلك، يجب على المرء أن يحمي نفسه بوضع حواجز تبعدنا عن تلك الإمكانية أو تلك الحالة. يقول الله تعالى: «وَلَا تَقْرِبُوا الزِّنَا فَإنَّهُ فُحْشٌ وَطَرِيقٌ سَيئٌ» (17:32) وهذا يتوافق مع حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يشبه فيه محظورات الله بالمناطق المحمية التي يُمنع دخولها على الملوك. ولتجنب الدخول إلى تلك المناطق، يجب الابتعاد عن الحدود.
هذه هي ثلاث من أشد الذنوب خطورة، ولهذا السبب ينسب الله عدم ارتكابها إلى عباده. وخطورتها كبيرة لدرجة أنه يواصل قائلاً: «فمن يفعل ذلك، سيجد عاقبة ذنبه. وفي يوم القيامة سيُضاعف عليه العقاب، وسيبقى فيه خالداً، مُذلًّا».
ومع ذلك، يظهر الله في الآية التالية رحمته اللامتناهية فيقول: «إلا من تاب وآمن وعمل صالحًا، فهؤلاء سيستبدل الله سيئاتهم بحسناتهم. إن الله غفور رحيم. ومن يتوب ويصلح عمله، فقد رجع حقاً إلى الله».
إن رحمة الله ومغفرته عظيمتان لدرجة أن المرء قد يرتكب الذنوب طوال حياته، لكنه إذا تاب إلى الله، فإن الله لا يغفر له فحسب، بل يحول سيئاته إلى حسنات.
قال النبي في حديث رواه ابن مسعود:
«والله، إن أحداً منكم قد يعمل بأعمال أهل الجنة حتى لا يبقى بينه وبين الموت إلا شبر واحد، ثم يُنفذ كتابه فيعمل كأهل النار ويدخلها. وقد يعمل أحدكم بأعمال أهل النار حتى لا يفصل بينه وبين الموت إلا شبر واحد، فيُنفذ كتابه فيعمل كأهل الجنة ويدخلها».
نسأل الله أن يحفظنا من ظلم أحد أو إيذائه، وأن يحفظنا من الأفعال التي تبعدنا عنه. ونسأله أن يغفر لنا ذنوبنا، وأن يجعلنا من أهل الجنة، وكذلك آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأخواتنا وجميع المسلمين.
Español
