شهر شعبان

الحمد لله، الذي يقبل التائبين ودعاء المستغفرين، ويرفض دعاء المتكبرين الظالمين. إنه الخير، سبحان الله، ولا يقبل إلا الخير. قال تعالى في كتابه: «إليه ترتفع الكلمة الطيبة، والعمل الصالح يرفعه». لذا، فهناك أعمال صالحة وأعمال سيئة.

الجميع يعمل، لكن هناك من لا يجني من أعماله سوى التعب والإرهاق. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: «في ذلك اليوم تكون وجوه خاضعة، مثقلة، ومرهقة. وسوف يعانون من حرارة نار حارقة»؛ لأنهم لا يعملون لله ولا يتصرفون وفقًا للكتاب والسنة.

لكي تُقبل الأعمال، لا بد من شرطين: الإخلاص والالتزام بالسنة؛ ولذلك، فإن من يفتقر إلى أحد هذين الشرطين، فلن يناله سوى التعب والإرهاق في هذه الحياة وفي الآخرة. الإخلاص ينبع من قلب نقي؛ أما القلب المريض فلا يحث إلا على الشر، ومن قلب مليء بالكراهية والحسد والريبة لا يُتوقع من صاحبه إلا الشر، لكن صاحب القلب المريض لا يؤذي أحداً سوى نفسه.

أيها المؤمنون! إننا في أحد أفضل الأماكن والأوقات: نحن في شهر شعبان، شهر الخير والبركات، وهو الشهر الذي يفصلنا عن أفضل الشهور. وأفضل مكان هو بيت الله، ولا يجد المرء الطمأنينة والسكينة إلا في المسجد.

ورُوي أن أسامة بن زيد، رضي الله عنهما، قال:

فقلت: «يا رسول الله، لم أرك تصوم في شهر آخر كما تصوم في شعبان»، فقال: «إنه شهر يغفل عنه الناس، وهو شهر ترتفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، لذا، أحب أن ترتفع أعمالي وأنا صائم”.

يستعد العقلاء لشهر رمضان في شهر شعبان، ويقوّدون أنفسهم بالصيام، والإنفاق في سبيل الله، والكرم، لأن النفس تحتاج إلى الترويض والانضباط. ومن أهداف الدين تربية النفس، وإجبارها على فعل ما تكره، وإبعادها عما تحب، وقهرها بما تكره. وفي شهر شعبان، يتوق المتوقون إلى الخير ويسارعون إلى فعلها. قال الإمام البلجي:

رجب هو شهر البذر، وشعبان هو شهر الري، ورمضان هو شهر الحصاد. كل شخص يحصد ما زرعه، ويكافأ وفقاً لأعماله؛ ومن زرع شراً، فسوف يندم يوم الحصاد.

*********************

اتقوا الله، أيها العباد، واملأوا أوقاتكم بالأعمال الصالحة. وانتبهوا للفرص واستفيدوا من هذه الأيام بما ينفعكم في يوم لا ينفعكم فيه المال ولا الأبناء. واعلموا أن نبينا ﷺ قال:

صحيح أن ربكم، العظيم الجليل، يمنحكم النعم في أيام حياتكم، لذا فاستفيدوا منها، فربما يحظى أحدكم بإحداها ولن يحزن أبدًا.

الذكي هو الذي يتعلم مما سمعه، وكذلك العاقل هو الذي يحسب أنفاسه قبل أن يأتي مُدمِّر الملذات (الموت)، ويمنعه من رغباته ومتعه.

اللهم، اجعل نفوسنا تقية وطهرها، فأنت أفضل من يطهرها، وأنت ربها وراعيها.