الحمد لله الذي جعل الوجوه تنحني أمامه والجباه تسجد. السلام والبركات على من أضفى العطر على شهر ربيع الأول بميلاده، وفرح به سكان الأرض والسماء برسالته وشريعته.

أيها المسلمون! إن ولادة الرسول ﷺ تُعتبر ولادة للبشرية جمعاء، فقد أخرجها من الظلام والجهل إلى نور العلم؛ ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الباطل إلى الحق، ومن الضلال إلى الهدى. ويوم مولده هو أحد أيام الله التي ورد ذكرها في القرآن الكريم بقوله: «وذكّرهم بأيام الله».
بمواليدته بزغ فجر الإسلام، وأشرقت شمس الهداية والإيمان، وتلاشت الكفر والباطل. قال النبي ﷺ: «إني رحمة منحت». وقال الله تعالى: «قل: فليفرحوا بنعمة الله ورحمته؛ ذلك خير مما يجمعون».
أيها الخدام، لماذا نحتاج إلى الاحتفال بميلاد هذه النعمة والرحمة التي أُرسلت إلينا؟ خاصة في عصرنا هذا، لأن العالم قد صرف انتباهنا عن دراسة سيرة أكرم الرسل.
إن غالبية الناس يجهلون حياة نبيهم ﷺ وينشغلون بالدنيا، مما يمنعهم من دراسة حياة الحبيب ﷺ، التي أقسم الله بها في القرآن الكريم قائلاً: «والحياة، إنهم كانوا يضلون في غفلتهم».
لم يقسم الله، سبحانه وتعالى، بحياة أحد سوى الرسول ﷺ، لأن حياة الرسول هي شريعة وسنة وهدى نير. فكل حركاته وسكونه وكلماته وصمته هي علم وشريعة ودين. وكيف لا يكون كذلك وقد مدحه ربه بالتفصيل؟ فقد مدح بصره قائلاً: «لم يضل البصر، ولم يخطئ»، ومدح قلبه قائلاً: «ولم يكذب القلب فيما رأى»، ومدح كلامه قائلاً: «لا يتكلم من نفسه. إنما هو وحي يُوحى. وأثنى على معلمه جبريل قائلاً: «لقد علمه القوي العظيم الجليل». وأخيرًا، أثنى على سلوكه النبيل قائلاً: «إنك لأفضل الأخلاق».
إن الاحتفال بمولد النبي ﷺ يعني دراسة أخلاقه وسلوكه وخطابه واتباع سنته.
قيل: «ومن قال إنه يحب النبي ولم يتمسك بسنته فهو كاذب». إن الاحتفال بليلة المولد، والإسراء، والهجرة، وفتح مكة هي مناسبات لتجديد الإيمان والعهد، واستخلاص الدروس. وكل هذه الأحداث ترجع جذورها إلى ولادة الرسول ﷺ، فبدونه ما كانت لتحدث.
وُلد الرسول ﷺ، حسبما هو معروف، في ليلة الثاني عشر من ربيع الأول من سنة الفيل. سُئل النبي ﷺ عن صيام يوم الاثنين، فقال: «ذلك هو اليوم الذي وُلدت فيه».
إنه يوم مبارك يجتمع فيه الناس، ويشيدون بصفاته وشخصيته النبيلة وخصائصه، بأدب وكرامة واحترام. بعيدًا عن المساوئ التي غالبًا ما تحدث في المناسبات.
أيها المؤمنون! إن شهر ربيع الأول هو تذكير بميلاد رسول الله ﷺ وبيعته (إرساله) وهجرته، حيث إن كل ذلك حدث في هذا الشهر المبارك.
إن الاجتماع لتمجيد رسول الله ﷺ، ولإطعام الناس، ولذكر الله، ولاتباع سنة الرسول ﷺ، هو أمر محمود ومستحسن، لا سيما في أوقات الفتنة وانتشار وسائل التسلية.
*************
يا عباد الله! لقد مدح الله عز وجل نبيه ﷺ وسبحه في آية أخرى من كتابه، وربط محبته بمحبته قائلاً: «قل: «إن كنتم تحبون الله فاتبعوني! فسيحبكم الله ويغفر لكم ذنوبكم. إن الله غفور رحيم»». وذكر ذلك في الأذان والإقامة. وربط عهده بعهد الله: «الذين يبايعونك، إنما يبايعون الله»، وطاعته بطاعته: «من أطاع الرسول فقد أطاع الله».
كل هذا هو أفضل طريقة لمدح شخص ما. لذا، إذا قال موسى، عليه السلام: «لقد هرعت إليك يا رب، لإرضائك»، قال الله لمحمد ﷺ: «وسيعطيك ربك، وستكون راضياً». وقال لموسى: «لكي تنشأ تحت عيني»، وقال لمحمد ﷺ: «فإننا نراك». وقال لموسى: «اخلع حذاءك! فأنت في وادي تووا المقدس»، لكنه لم يقل ذلك للنبي ﷺ وهو في سدرة المنتهى.
ما أعظم مكانة محمد ﷺ وما أعظم دينه، وبالمثل ما أعظم شأن أمته! فسبحوا الله يا مسلمين، الذي جعل منكم أفضل أمة أُخرجت للناس، وأرسل إليكم أشرف الأنبياء.
اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
اللهم اجعلنا نموت على السنة النبوية، وأحيينا تحت راية النبي محمد ﷺ، واجتمعنا في صحبة سيدنا محمد ﷺ، واسقنا من بركة سيدنا محمد ﷺ، حتى نشبع إلى الأبد، وندخل الجنة مع سيدنا محمد ﷺ ومع الأنبياء عليهم السلام، والصادقين، والشهداء، والصالحين. آمين.
Español

