مثال إبراهيم، عليه السلام

يقول الله، سبحانه وتعالى، في سورة النحل: «إن إبراهيم كان فاضلاً، وكان تقيًّا، وكان فطريًّا على الإيمان الصحيح، ولم يكن قط من المشركين». وصف الله صديقه الحميم إبراهيم، عليه السلام، بأنه أمة. والأمة هي جماعة كبيرة من الناس. كان أمةً بمفرده لكونه المؤمن الوحيد، ولم يكن في عصره من يتبع الإسلام سواه. كان يجمع كل الخير، وكان يمثل جميع الصفات مجتمعة في أمة عظيمة. فاختبره ربه بثروته، واختبر ابنه واختبره هو نفسه. فقد قدم ممتلكاته للضيفين، وابنه ليذبحه، ونفسه للنار، وقلبه للرحمن، وبهذه الطريقة اتخذه الله صديقاً حميمًا.

يقول الله سبحانه وتعالى: «ولما امتحن ربك إبراهيم بأمور فأنجزها، قال له: «سأجعلك قائداً ومثالاً للناس». قال: «وهل ستفعل ذلك أيضاً مع ذريتي؟». فقال: «إن عهدي لا يشمل الظالمين».

«الابتلاء» هو اختبار وأداة لتمييز الخير من الشر. «الرب» يعني المُعلِّم الذي يختبر تلاميذه بأدوات تقودهم إلى الكمال المطلوب. ومن الضروري أن يختبر المُعلِّم تلاميذه ليتأكد من مدى استيعابهم لما تعلموه.

إن الله، سبحانه وتعالى، يعلم رد فعل عبده قبل أن يختبره. وهو، سبحانه وتعالى، يعلم ما كان، وما سيكون، وما هو، ويعلم ما لم يكن، وكيف كان سيكون لو كان.

ومع ذلك، فإنه يريد أن يثبت لنا من خلال المحن ما سبق أن عرفه في علمه. والكلمات التي اختبر بها إبراهيم هي أوامره ونواهيه. ومن بينها أنه أُلقي في النار دون أن يتزعزع إيمانه. فاستقبله الملاك جبريل عندما أُلقي به من المنجنيق في النار قائلاً له: «هل تحتاج إلى شيء؟». فأجاب: «لا أحتاج منك شيئًا!»، وقال: «حسبي الله ونعماً الوكيل».

كما أثبت ذلك بتضحيته بابنه الوحيد، الذي أنجبه في سن متقدمة. وبعد أن استجاب لكل ما أُمر به، كافأه الله بتكريمه بالرسالة، وجعله إمامًا لجميع الناس ومرشدًا للمستقيمين الذين سيتبعونه بعد ذلك. طلب إبراهيم أن يكون ذريته أنبياء وصالحين، فاستجاب الله لدعائه، باستثناء أولئك الذين كفروا وتواطأوا في الظلم، لأنهم لا يستحقون النبوة والقيادة في الدين.

صحيح أن الله عز وجل قد أمر نبيه محمدًا ﷺ باتباع مذهب إبراهيم، مذهب التوحيد، ونبذ الكفر، في الحج، وفي التضحية، وفي الختان، وفي صفات الفطرة، وما إلى ذلك. يقول الله عز وجل في سورة النحل: «ثم أوحينا إليك أن تتبع مذهب إبراهيم حنيفًا غير من المشركين». والحق أن الإسلام يقوم على أسس طريقة عبادة إبراهيم، وهي التوحيد ونفي الكفر، وأسس الفطرة، والشرائع، والاعتدال. يقول العلي العظيم: «ولم يضيق عليكم في الدين؛ دين أبينا إبراهيم، الذي سماكم من قبل مسلمين». ويقول لنا نبينا ﷺ: «لقد أرسلت بالتوحيد المعتدل». رواه أبي أمامة. التوحيد المتسامح هو عقيدة الإسلام التي اتبعها النبي إبراهيم، وهي التي تتوافق مع الفطرة السليمة، دون مبالغة أو تقصير.

**********

يا أيها المؤمنون! قال الله تعالى في سورة يوسف: «في قصته عبرة لمن يتفكر». ما نحتاجه في هذه الأوقات هو أن نستخلص الدروس والعبر من قصص الأنبياء، عليهم السلام، ولا سيما من قصة إبراهيم، أبو الأنبياء، عليه السلام. فقد كانت حياته مليئة بالابتلاءات والمحن التي سنمر بها جميعًا. لذلك، علينا أن نقتدي بهذا النبي الكريم في كل ما يحدث لنا. فقد اتخذوه قدوةً لهم باتباع فطرتهم السليمة، التي كانت ترفض الأصنام والشرك، وبالاستعانة بالعقل السليم في تلاوة آيات الكون البهيجة. للوهلة الأولى، نظر النبي إبراهيم، عليه السلام، إلى القمر فلم يجد فيه أي دليل على وجود صنم. ثم نظر إلى الشمس والكواكب وقال ما يلي: «أوجه وجهي، كحنيف، إلى الذي خلق السماوات والأرض، ولست من المشركين». (سورة الأنعام، 79).

اللهم، اجعلنا نموت ونحن على التوحيد، ونجنا من الشرك، واجعلنا نموت على دين إبراهيم عليه السلام، وعلى طريق سيدنا رسول الله ﷺ، ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به. اللهم لا تتركنا تحت رعاية أحد سواك ولو لبرهة، ولا في أيدي من لا يتقيك ولا يرحمنا. آمين.