الحمد لله، الذي أنعم علينا بنعم لا حصر لها، وفضلنا على المخلوقات بالعقل، حتى نتمكن من التمييز بين الشر والخير، والحق والباطل، والهداية والضلال، والطاهر والنجس. أشهد أن لا إله إلا الله، الواحد، الذي لا شبيه له، وأن محمدًا عبده ورسوله ﷺ.
يا عباد الله، اتقوا الله العظيم، واستعدوا لأنفسكم زاداً، فإن أفضل زاد هو التقوى.
اعلموا أن الإنسان في هذه الحياة لا بد أن يختلط بالناس، والناس يختلفون في طبيعتهم وأخلاقهم: فمنهم الصالحون الذين ينفعون بمصاحبتهم وأخلاقهم، ومنهم الأشرار الذين يضرون بالآخرين بقربهم ومصاحبتهم وصداقتهم. لذلك، حذرنا النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه أبو موسى الأشعري، رضي الله عنه:
ومن الأمثلة على الرفقة الحسنة أو السيئة: بائع المسك، أو من ينفخ الهواء بمنفاخ فرن الحداد. فبائع المسك يعطيك عينة لتجربتها، فإما أن تشتريه منه، وإما أن تشم منه رائحة طيبة. أما من ينفخ بالمنفاخ، فيحرق ملابسك أو يملأك بالرائحة الكريهة.
يشير هذا الحديث الشريف إلى أن الرفيق الصالح هو بركة ولا يجلب لك سوى الخير. وقد شبّهه النبي ﷺ بحامل المسك. أي أن طبعه حسن، وقربه منك مفيد. فإما أن يوسع آفاق معرفتك، أو يقدم لك النصائح الصائبة، أو يحذرك من الخطر الذي قد تقع فيه. وإذا قصرت في أداء واجباتك، فسوف يرشدك. فهو يرى عيوبك ويصبح مرآة تعكس معظم عيوبك.
في الحديث: «المؤمن مرآة لأخيه». فمن أراد أن يرى وجهه على حقيقته، فعليه أن ينظف مرآته؛ وبالمثل، يجب أن يكون قلب رفيقك نقيًّا وخاليًّا من النفاق والخداع، حتى يتمكن من تنبيهك إلى أخطائك. قال الإمام البصيري: «لا تظهر الوجوه إلا بعد إزالة الأوساخ عن مراياها. فإذا كانت المرآة متسخة أو مكسورة أو مقعرة، فإنها تحجب الصورة الحقيقية للوجه، لذا عليك تنظيفها والحفاظ عليها نظيفة». وتتم تنظيف المرآة باختيار صديق تليق بك صحبته ونفعه. وقد قيل: «صديقك هو من يصارحك، وليس من يوافق على ما تفعله». أي الذي ينبهك ويحذرك.
وبالمثل، فإن الشباب سيتحلون بنفس صفات أصدقائهم، حيث يُقال: «لا تسأل عن الرجل، بل اسأل عن رفيقه». فكل رفيق هو قدوة لرفيقه.
أيها الشباب، الابتعاد عن الرفقة السيئة والانضمام إلى الأصدقاء الصالحين هو أحد أهداف ديننا. وقد حذرنا النبي ﷺ من الرفقة السيئة. فمرافقة الصديق السيئ هي ضرر ونكبة، ولن تتوقف حتى تراه قد أخرجك عن الطريق المستقيم، حتى تراه تحاكيه في كل شر يفعله.
أيها المؤمنون، نتيجة للرفقة السيئة، أصبح العديد من الشباب مدمنين على المخدرات بجميع أنواعها، بدءًا من التبغ بجميع أنواعه وصولاً إلى المخدرات الخطيرة التي تدمر كل شيء.
لقد انحرف معظم شبابنا عن الطريق الصحيح بسبب الإدمان، وهم تائهون في الشوارع دون تعليم. حاضرهم ضائع، وماضيهم مشوه، ومستقبلهم مظلم. كل هذا بسبب الرفقة السيئة التي تنبذك إذا سيطرت عليك المخدرات وامتزجت بدمك. ألم تكن تعلم، أيها الشاب، أن الله قد حرم علينا كل ما يضر العقل، وكل ما يجعل العقل غائبًا ولو للحظة واحدة؟ ألم يقل النبي ﷺ أن كل مسكر محرم؟ أي سواء كان بكمية قليلة أو كثيرة.
وقال الله عز وجل: «الشرّات للشرّين، والشرّون للشرّات». ألم يحظر علينا الإسلام إهدار المال والجسد والعقل والدين والشرف؟ لقد جاء الإسلام فقط للحفاظ على هذه الخمسة.
في المخدرات والتبغ، بمختلف أنواعهما، فإنك تهدر المال، لأنك تحرق رزقك بيديك فيتحول إلى دخان، وتنفخه بفمك فيضر بصحتك وعقلك وشرفك. وبذلك فإنك تفسد ما أراد الإسلام إصلاحه والحفاظ عليه. ألم تعلم أن صحتك أمانة، وأنك ستُحاسب عليها أمام الله؟
المال أمانة، وسوف تُسأل عنه: كيف كسبته وكيف أنفقته؟ قال النبي ﷺ: «لن تتحرك أقدام العبد يوم القيامة حتى يُسأل عن حياته وكيف قضىها، وعن جسده وكيف استخدمه، وعن علمه وماذا فعل به، وعن ماله من أين كسبه وكيف أنفقه».
***********
أيها المسلمون والمسلمات، على الآباء والأمهات رعاية أبنائهم وبناتهم بالأفعال قبل الأقوال. فمن يفتقر إلى شيء ما لا يمكنه أن يمنحه. قال أحد الشعراء: «إذا قرع صاحب البيت الطبل، فلا تلوموا الأبناء إذا رقصوا».
لا يمكنك أن تحظر شيئًا ما وأنت تمارسه وتفعله بنفسك. لذا، شجعوا أبناءكم وبناتكم على ملء أوقات فراغهم، لأن وقت الفراغ يمثل كارثة كبيرة للشباب. قال أحد الحكماء: «ثلاثة أشياء تفسد الشباب: الشباب، ووقت الفراغ، والثروة… فهي هلاك لأي شخص».
كونوا قدوة للشباب ووجهوهم لاستغلال أوقات فراغهم في البحث عن العلم وحفظ القرآن، وممارسة الرياضات المفيدة للجسم والعقل. فالعقل السليم في الجسم السليم. وأي نوع من الرياضة يفيد الجسم ويقويه، ويطهر العقل ويشحذه. الشباب هم عماد هذه الأمة. فإذا ضاع الشباب، ضاع كل شيء. فهم رجال ونساء الغد. وهم من سيتولون زمام الأمور. وهم أفضل خلفاء لأفضل الأسلاف. وهم أثر آبائهم. على كل أب وأم أن يراعيا ويحرصا على ترك ذكرى طيبة بعد رحيلهما. والذكرى الطيبة تعني ابنًا صالحًا وابنة صالحة.
فليتذكر كل من لديه صديق سيئ كلمات الله عز وجل في سورة الفرقان: «يوم يعض الظالم يديه ويقول: ليتني سلكت مع الرسول! ويلي مني! ليتني لم أتخذ فلاناً صديقاً! فقد أضلني عن الذكر بعد أن جاءني. إن الشيطان للإنسان خادعٌ».
فليمنحنا الله الخير من القرآن وآياته والذكر الحكيم الذي يحتويه. وامنحنا، يا رب، تلاوته وحلاوته وشفاعته. اللهم، اهدِ شبابنا إلى الصراط المستقيم واحفظهم من المحن، ومن الرفقة السيئة، ومن الشياطين، سواء كانوا من البشر أو الجن، وافتح بصائرهم وأنر قلوبهم، وأرهم الحق حقاً، وامنحهم اتباعه، والباطل كباطل، وامنحهم أن يتجنبه.
إن إخواننا المضطهدين، الذين يتعرضون للدمار والنار والتشريد، يُقتلون على مرأى من العالم وسط صمت مروع، نسألك، بأسمائك الحسنة وصفاتك العليّة، أن ترحمهم برحمتك التي تشمل كل شيء. اللهم، اهزم الأعداء الظالمين الذين يسفكون دماء الأطفال والنساء والشيوخ والشباب. اللهم، استجب دعواتنا ولا ترجعنا خائبين. آمين.
Español

