العطلة الصيفية

الحمد لله الذي جعل الليل والنهار يتعاقبان لمن أراد أن يتذكر أو يشكر. تبارك الذي أنزل الفرقان على عبده، ليكون نذيرًا للعالمين.

أشهد أنه لا إله إلا الله، الواحد، الذي لا شبيه له، الذي وضع الأبراج والقمر الساطع في السماء. وأشهد أن محمدًا ﷺ هو عبده ورسوله، الذي أرسله تنبيهًا وبشارة، وعلى آله وصحبه السلام والبركات.

أيها المسلمون، اتقوا الله في كل زمان ومكان، فإن التقوى هي الرزق الذي لا ينضب. فلن يدوم شيء من ثرواتنا، فما يدوم إلا ما يملكه الله.

علينا أن ندرك ونفهم أن أثمن ما يملكه الإنسان هو وقته وحياته. ولهذا أقسم الله بالزمن في القرآن الكريم في أكثر من آية. قال: «بالزمن! إن الإنسان لفي خسارة. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتوصوا بالحق وتوصوا بالصبر».

أيها المؤمنون، اقتربت العطلة الصيفية. كان الإسلام يعتبر فترات الراحة نعمة وفرصة، وكان النبي ﷺ يعتبر هذه الفترات والراحة من أعظم النعم. وقال: «نعمتان يهملهما كثير من الناس هما الصحة والوقت الفراغ». والغبن هو بيع شيء غالي الثمن بثمن بخس. وأغلى ما تملك، أيها المؤمن، هو الوقت. ومن ينفق وقته ويهدر لحظات راحته دون أن يستفيد منها، فهو أحمق ومهمل وخاسر. قال سيدنا عمر بن عبد العزيز: «يا ابن آدم، النهار والليل يعملان عليك، فاعمل أنت عليهما». وعليك أن تعلم، يا إنسان، أن كل يوم يمر، يزول جزء منك. فإذا كان النبي ﷺ قد وصف من أضاع وقته في أمور تافهة بأنه أحمق، فما حال من يقضي وقته في الشهوات والنزوات المحرمة؟

لا ينبغي لأي طالب أو تلميذ أن يقضي كامل وقت إجازته في التسلية والألعاب. فالإجازات ليست نهاية التعليم. فالسعي وراء المعرفة لا ينتهي مع الإجازات السنوية أو الأسبوعية. بل إن السعي وراء المعرفة لا ينتهي إلا بالموت. من المهد إلى اللحد.

إذا كرست كل وقتك وجهدك للبحث عن المعرفة، فستحصل على شيء ما، أما إذا لم تكرس سوى جزء منها، فلن تحصل على شيء. قال الشاعر: «قل لمن يطمح إلى مكانة في المعرفة: لقد عرفت شيئًا، لكنك فاتتك أشياء كثيرة».

إذا كنت من أولئك الذين تميزوا في دراستهم وتخصصهم، فعليك أن تعلم أن هناك علومًا متنوعة لا تعرفها. على الطلاب حفظ كتاب ربهم وتعلم الفقه لعبادة الله، وتعلم الأحاديث، وتعلم اللغة العربية حتى يتمكنوا من فهم كلام ربهم وسنة نبيهم ﷺ.

أيها المسلمون، في سعي الأيام والليالي درس وعبرة. فهي تهلك كل ما هو جديد، وتقرب كل ما هو بعيد، وتقصر العمر، وتشيب الشباب، وتقضي على كبار السن. قال علي رضي الله عنه: «هذه الحياة تذهب، والآخرة تقترب، ولكل من هذين العالمين أبناء، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا». الآن يمكننا العمل دون حساب، وغدًا سيأتي الحساب ولن نستطيع العمل. وقال النبي ﷺ: «لن تتحرك أقدام العبد يوم القيامة حتى يُسأل عن حياته وكيف أنفقها. وعن علمه: ماذا فعل به؟ ومن أين حصل على ماله؟ وفي ماذا أنفقه؟ وعن جسده: كيف استخدمه؟». في هذه الكلمات، يضع النبي ﷺ الحياة في المقام الأول، نظراً لأهميتها، فبدونها ما كان للجسد والمال والعلم أن يوجد. قال ابن مسعود: «لم أندم على شيء كما ندمت على يوم غربت فيه الشمس، قصرت فيه حياتي ولم تزد فيه أعمالي». كان هذا هو اعتقاد وممارسة أهل السلف، فلنحتذِ حذوهم في سعيهم إلى الاستفادة القصوى من وقتنا. قال الحسن البصري: «لقد عرفتُ أناسًا كانوا أكثر حرصًا على وقتهم من حرصكم على درهماتكم وديناراتكم».

على الآباء، كعبيد لله، أن يضعوا برنامجًا مفيدًا لأبنائهم خلال هذه العطلة الصيفية الطويلة. فليقضِ الأطفال هذه الفترة في ما يعود عليهم بالنفع في الدنيا والآخرة. في السعي وراء العلم وحفظ كتاب الله. وأفضلكم هم الذين يتعلمون القرآن ويعلمونه للآخرين.

وكذلك في الرحلات المفيدة. فهناك العديد من الفوائد التي نجنيها من السفر: فهو يُنمي الذكاء، ويوسع نطاق المعرفة والذاكرة، ويحافظ على الروابط الأسرية، ومن خلال هذه التجارب الحياتية، يتعلم الطالب أن يثق بنفسه في جميع شؤونه.

وبناءً على ما سبق، يجب علينا أيضًا البحث عن مخيمات تعليمية مفيدة لأبنائنا تجمع بين الرياضة البدنية والتعليم الفكري. فالعقل السليم في الجسم السليم. وقد حثنا النبي ﷺ على الاستفادة من كل هذه الأمور، ومن بينها استغلال وقت الفراغ قبل العودة إلى الانشغال. اليوم أنت حر، وغدًا ستكون مشغولًا. اليوم هو الحياة، وغدًا هو الموت.

لا تؤجلوا عمل اليوم إلى الغد، فلكل يوم عمله. فاتقوا الله أيها العبيد، وسووا حساباتكم قبل أن تُحاسبوا، واستغلوا وقتكم وشبابكم وصحتكم ووقت فراغكم فيما يرضي الله ورسوله ﷺ. وتشبثوا بالدين تشبثًا قويًّا، بكتاب ربكم وسنة نبيكم ﷺ.

ارحموا من هم على الأرض، فيرحمكم من هو في السماء.

اللهم، اهدِ شبابنا إلى دينك، وأعدهم إلى طريقك، وافتح أذهانهم، وانور عقولهم، واجعلهم من الناجحين والمنتصرين. احمهم من الشياطين من البشر والجن، ومن الرفقة السيئة، وصقل سلوكهم، واجعلهم أبناءً فاضلين ومستقيمين، واجعلهم أفضل خلفاء لأفضل أسلاف. اللهم، أعطِ من له حق علينا حقه. اللهم، امنح النصر لإخواننا المظلومين أينما كانوا، وامنحهم الغلبة على من يظلمهم، واهزم المعتدين الظالمين، وارحم موتانا، واجعلنا نلتقي بهم مع جميع المسلمين، المؤمنين، التائبين، والطائعين لله، رب العالمين، آمين.