حاي سليمان لاغو
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم جميعًا!
شكراً على حضوركم. قبل كل شيء، ورغم أن هذا قد يبدو غير ضروري وبديهياً، أود أن أشير إلى أن أعمال الشيخ عبد القادر، بمدى اتساعها وعمقها، تشكل محيطاً هائلاً، ولا تهدف هذه الملاحظات إلا إلى أن تكون مجرد مقاربة، وغوصاً قصيراً في مياهها التي لا يمكن استيعابها، والتي أود اليوم أن أشاركها معكم جميعاً. وأنا أدرك أن الكلمات التي سأقولها هنا ستكون، بطبيعة الحال، متأثرة بتجربتي الشخصية وبطريقة معينة في استيعاب الأمور، ولذلك أود أن أعتذر لجميع الحاضرين عن أي أخطاء أو سوء فهم قد أكون ارتكبته أثناء إعداد هذه المحاضرة. فأنا لست هنا لامتلاكي معرفة واسعة بحياة وأعمال الشيخ عبد القادر، ولا حتى لأنني تمكنت من تطبيق معظم الإرشادات الواردة في تعاليمه على نفسي. لذا فإن هذه المحاضرة تمثل فرصة لي أيضًا. فرصة لإيجاد طريق لا يزال مفتوحًا، لأصقل نفسي قليلاً أكثر كرجل وكمسلم، وأن أتمكن من مواجهة المرحلة الأخيرة من حياتي محاولاً أن أكون جديراً بتطبيق المعرفة التي ورثناها عن شيخنا، بقدر ما تسمح به إمكانياتي، مع الحفاظ على التزامي بأن أكون دائماً رجلاً خادماً حتى أظل جزءاً من صفوف الناجحين، حتى لو كان ذلك في الصفوف الخلفية.
قد تتساءلون إذن كيف تجرأت اليوم على الصعود إلى المنصة (أنا أيضًا أتساءل عن ذلك). حسنًا، الجواب هو أن فكرة هذه المحاضرة تعود إلى وقت بعيد؛ أعتقد أنها كانت تتبلور على مدار السنوات الخمس الماضية، حيث هنا، في مجتمعنا في غرناطة، وفي مراحل مختلفة، وبانتظام متفاوت، قامت مجموعات صغيرة من الرجال بإجراء جلسات قراءة ودراسة لبعض كتب الشيخ عبد القادر – إيان دالاس. في جلسات القراءة الجماعية تلك، تمكنتُ من التأكد، مرارًا وتكرارًا، من أن الدراسة المتعمقة واستيعاب التعاليم الواردة في كتب معلمنا تتطلب، بالإضافة إلى بعض المفاهيم في التاريخ والثقافة الكلاسيكية اليونانية-الرومانية، والأدب والفن بشكل عام، أن يكون المرء قد درس أو قرأ في وقت ما، ولو بشكل سطحي، بعض المراجع التي يشير إليها الشيخ في مؤلفاته؛ لأن دراسة تلك المراجع تتيح لنا أن نستشف، ونتتبع الآثار، سواء كانت واضحة أم غير واضحة، التي يمكن تمييزها في كتاباته وفي تكوينه، تلك المسارات الاستثنائية والمتنوعة جدًّا التي سلكها المعلم خلال حياته الطويلة والدؤوبة في البحث، والتي جعلته يجمع كنوزًا قيّمة من المعرفة اكتسبها في أكثر الأماكن غرابةً.
الإرث الغني من الأعمال التي تركها لنا، سواء كانت مقالات قصيرة، أو محاضرات، أو مقابلات، أو خطب، أو مقالات فكرية، أو روايات، أو مسرحيات، أو تسجيلات. وقد وقع بعضها باسم «إيان دالاس»، وبعضها الآخر باسم «الشيخ عبد القادر الصوفي»، إلا أن جميعها تشترك في قاسم مشترك، ونمط واحد، ووحدة، مثل تلك الوحدة الداخلية التي تتميز بها أفضل الأعمال الفنية.
يلزم هنا تقديم توضيح موجز بشأن استخدام اسمي «الشيخ عبد القادر» و«إيان دالاس» في كتاباتهما، والمعاملة المختلفة التي لقيتها هذان الاسمان في بعض الأحيان. ولا بد لي من الاعتراف بأنه، في حالتي، يستحيل عليّ الفصل بين أعمالهما بناءً على الاسم الذي توقعا به. وهذا يدفعني إلى إثارة مسألة أثارت في السنوات الأخيرة بعض الشكوك لدى بعض الأشخاص، لكنها كانت دائمًا واضحة وجلية بالنسبة لمعظمنا، ألا وهي الاستحالة التامة لفصل الجانب الروحي عن الجانب السياسي في أعمالهما. أو الاكتفاء بجزء من تعاليمهما وترك الجزء الآخر جانبًا. وهو أمر، كما نعلم، مستحيل حقًّا بحكم طبيعة عملية نقل المعرفة ذاتها. وكدليل واضح على ذلك، على الرغم من أن جميع كتاباته مليئة بأمثلة مماثلة، فإننا نعرض هنا هذين المقتطفين، أحدهما من كتاب في التصوف، موقّع بطبيعة الحال باسم الشيخ عبد القادر الصوفي، والآخر مقتبس من عمل يُصنف على أنه سياسي أو تاريخي، موقّع باسم إيان دالاس.
وهكذا نجد في مقدمة «كتاب التوحيد»، في صفحتها الأولى، وقبل بدء الدرس الأول، هذا التصريح القاطع:
«بسبب هذه الفترة الفاصلة التي ستنتهي قريبًا، إن شاء الله، والتي تمثل الفترة التي توقفت فيها طريقة الحكم الإسلامية — أي تلك التي كانت سائدة في الإمبراطوريتين المغولية والعثمانية — فإننا، المجتمع الإسلامي العالمي، نعيش الإسلام دون بُعده السياسي الضروري للغاية. ومن النتائج الغريبة والمؤسفة لهذا الوضع أننا بدأنا ننظر إلى أئمتنا وكأنهم قادة، مما حوّلهم إلى طبقة كهنوتية وسمح لهم بحكمنا وكأننا شعب من العبيد الذين، لعدم امتلاكهم سلطة على الحرب أو الثروة، يتسامحون مع أن يُؤمروا في الشؤون الخاصة المتعلقة بالمواليد والزواج والوفيات. وفي هذا السياق، اتخذت جماعتنا المسلمة شكل دين مختلف تمامًا: المذهب الشيعي. والدليل على ذلك هو أننا سمحنا للكفار بتعريفنا على أننا ننتمي إلى «الإسلام السني»، وكأننا بذلك نقبل تعريفهم بأن الدين الإسلامي قد انقسم تاريخيًا إلى طائفتين. والحقيقة هي أنه لا يمكن أن يوجد سوى «دين الحق» الذي يحظى بالإذن الإلهي ليُسمى «الإسلام».
وعلى النقيض من ذلك، نجد في كتاب «المنصب مؤقت لي»، الذي يُعتبر جزءًا من «أعماله السياسية»، نصًّا يتناول بشكل خاص بعض محطات تاريخ إنجلترا، ولكننا نجد فيه فجأة، في الفصل الثاني المعنون «ما قاله صلاح الدين»، الذي يتضمن عدة آيات من القرآن، هذا التصريح الذي يحمل دلالة روحية في خضم نص كنا نقرأه محاطين بما يبدو أنه معرفة تاريخية وسياسية عميقة:
قال أبو الدرداء: «الأنبياء هم الأوتاد التي تثبت الأرض في مكانها. وعندما انتهت النبوة، استبدل الله الأنبياء ببعض أعضاء جماعة محمد، صلى الله عليه وسلم، الذين يُدعون «الأبدال». وهم لا يتفوقون على غيرهم بكثرة صيامهم أو صلاتهم، بل بحسن خلقهم، وصدق إخلاصهم، وحسن نيتهم، وسلامة قلوبهم، ونصحهم الصادق لجميع المسلمين، ولسعيهم إلى رضا الله بالصبر، والاعتدال، والحكمة، والتواضع الذي لا يشتمل على إذلال. إنهم خلفاء الأنبياء، والناس الذين اختارهم الله واختارهم لنفسه بعلمه. إنهم أربعون رجلاً صادقين. ثلاثون منهم يتمتعون بيقين مماثل لليقين الذي كان لدى إبراهيم، صديق الرحمن. يستخدمهم الله لإبعاد ما يكرهه الناس على وجه الأرض، والبدع التي أدخلها الآخرون. وبفضلهم تنعم الناس بالمطر والرزق. ولا يموت أحدهم إلا ويضع الله آخرًا مكانه».
قال سفيان الزوري: «هذه هي الوسائل التي يُقام بها الدين».
وكما نرى، لا يمكن لأحد أن يقسم تعاليم الشيخ عبد القادر إلى جزأين، مدعياً أنه يجسد أحدهما.
حسنًا، لنعد الآن سريعًا إلى الأهمية التي يمكن أن يضفيها دراسة الشخصيات التاريخية، والمؤلفين، والموسيقيين، وعلماء، بالإضافة إلى المؤلفات المرجعية التي استشهد بها الشيخ باستمرار طوال مسيرته الغزيرة ككاتب، على كل من يغوص في تلك الآفاق الأخرى.
لا بد لي هنا من أن أشرح بإيجاز ما حدث لي، مما جعلني أشعر بحاجة ملحة للبحث، وأنا متفائل، عن إرشاد في كل ما كان الشيخ عبد القادر يذكره، حتى لو كان ذلك بإيجاز في كتاباته. والحقيقة هي أنني، خلال إقامتي في المكسيك التي دامت عشر سنوات، وبعد أن قضيت السنوات الخمس الأولى دون أن أتمكن من حضور الموسيم السنوي الذي كان الشيخ يقيمه، كما كنت أفعل دائمًا عندما كنت أعيش في وطني، غاليسيا، فقد اتخذتُ قرارًا، في ظل غياب اللقاءات المباشرة، بأن أكرس نفسي لدراسة كل كتاب أو مقال، وكل مؤلف أو عمل أو فيلم أو ملحن أو مقطوعة موسيقية كان يذكرها في أي من مؤلفاته.
في الواقع، قبل بضعة أسابيع، أثناء حديثي مع الأمير هشام حول إعادة تنظيم المكتبة الموجودة في مؤسستنا، تطرقنا إلى الأهمية البالغة التي ينطوي عليها إتاحة كل هذه المواد للناس، لدراستها، ولكي تصبح المكتبة، تمامًا كما هو الحال مع هذا المسجد، تجسيدًا ملموسًا لأحد جوانب تعاليم ونية وتطلعات شيخنا الحبيب.
وهذا يذكرنا بأن هذا العمل لم ينجز بعد، وأنه من المهم إنجازه لتسهيل المهمة على كل من يرغب في الخوض فيه… مع الأخذ في الاعتبار، بطبيعة الحال، أن ليس كل ما يلمع ذهبًا، وأن الشيخ عبد القادر كان قادرًا على السير في أي مسار مستخرجًا الرحيق الذي قد يوجد فيه دون أن تلتصق بأثوابه أي بقايا غير مرغوب فيها، ونحن لسنا كذلك. لذلك يجب أن نغوص في هذا المجال، مع الانتباه دائمًا إلى العمق أو السطحية التي تعامل بها هو مع ذلك المؤلف أو ذلك العمل، وما استخلصه منه جوهريًّا.
إن عدم وجود قائمة مرجعية، تم تجميعها خصيصًا، للشخصيات والأعمال الفنية من جميع الأنواع التي ذكرها شيخنا في مناسبة ما، له استثناء ضئيل جدًّا، على حد علمي، ففي كتاب «درع أخيل»، ترد في نهاية الكتاب قائمة مراجع موجزة للغاية لا تذكر سوى كتابين وفيلم واحد. وأذكر هذا الأمر هنا لأسلط الضوء، من خلال هذا المثال الصغير، على كيفية إسهام إعادة النظر في هذه القائمة المراجع في تعزيز فهم العمل المعني.
وبغض النظر عن «الإلياذة» لهوميروس — التي يمكن إلقاء محاضرة كاملة عنها، والتي نعرفها جميعًا تقريبًا ونفهم أنها، في هذه الحالة، تمثل المشهد المسرحي الذي كان لا بد أن يندرج فيه «درع أخيل» —.
العمل الأدبي الآخر الموجود في قائمة المراجع هو مسرحية كوكتو «الآلة الجهنمية». لنرى ما يقوله الشيخ عبد القادر عنها:
«يصور سوفوكليس، في أعظم أعماله «أوديب»، نقطة التوازن المطلق بين القدر والحرية، وهي نقطة أرى أنه لا يمكن حلها، لأن سوفوكليس نفسه لم يحلها. تأتي اللحظة النهائية عندما تنطلق الفخ، وهو ما أطلق عليه كوكتو ببراعة اسم «الآلة الجهنمية»، عندما يجعل أوديب يؤكد أنه قد تم بناء آلة، وأن فخاً قد أُعد، وسنرى كيف ينطلق. أوديب، الذي كان ينظر إلى نفسه على أنه شخص حر تمامًا، يكتشف بفزع — ليس بسبب رغبته اللاواعية، بل بسبب الأحداث، تلك الأحداث التي لا يمكن تغييرها — أنه قتل والده وتزوج من والدته، ولذلك يعلن: «أبولو هو من فعل هذا»، أي أن الإله هو من فعل ذلك، ويواصل قائلاً: «لقد نصب لي فخاً، وأوقعني فيه، وشغّله». وبعد ذلك يفقأ عينيه، وعندما يخرج أعمى أمام الشعب يقول: «أبولو فعل كل ذلك، لكن هذا أنا من فعلته بنفسي». وهذا هو التعريف الجديد للإنسان، المعلق بين العبودية المطلقة والحرية المطلقة، مع نتائج مدمرة. وهكذا، في ختام رؤية سوفوكليس، يصبح أيديبوس في شيخوخته قديسًا وحارسًا لدولة أثينا».
إذا انغمسنا في قراءة النص المسرحي المعني، فسنجد فيه ما هو أكثر بكثير مما كنا نتصوره في البداية:
في المقدمة، يقول لنا كوكتو: «تمامًا كما سيندفع الشاب سيغفريد لاحقًا، يندفع أوديب. فالفضول والطموح يلتهمان روحه. وتُعقد المقابلة (مع السفينكس). ما طبيعة هذا اللقاء؟ إنه لغز. الحقيقة هي أن الشاب أديبوس يدخل طيبة منتصراً ويتزوج الملكة. وهنا يكمن زنا المحارم».
وكذلك: «انظر، أيها المشاهد، كيف يتدحرج زنبرك إحدى أكثر الآلات كمالاً التي صنعها آلهة الجحيم من أجل الإبادة الحسابية لإنسان، ببطء، على مدى حياة بشرية، بعد أن تم شد الحبل إلى أقصى حد».
في رأيي، يكمن السر الحقيقي للمسرحية بالضبط في اللحظة التي يبتعد فيها كوكتو عن النموذج الكلاسيكي ليقدم رؤيته المعاصرة الخاصة للدراما. ففي الفصل الذي يتناول مقابلة أوديب مع السفينكس، نكتشف أن السفينكس، بصفتها امرأة، مستعدة لحب البطل والتخلي عن دورها المصيري كسفينكس مدمرة…لكن أوديب، الذي لا يستطيع حتى رؤية ذلك، أعمىً بالدور البطولي الذي يعتبره قدره، ينتهي به الأمر إلى مغادرة المكان مسرعًا لمواجهة المأساة العائلية التي تنتظره. لقد أرادت السفينكس إنقاذه، لكنه لم يكن مهتمًا إلا بجثتها التي سيعود لالتقاطها لاحقًا لعرضها كغنيمة أمام الشعب.
تصرخ السفينكس: «يا للأحمق! إذن، فهو لم يفهم شيئًا!»
ومن المثير للاهتمام أيضًا أن نذكر هنا المقارنة التي أجراها كوكتو في بداية العمل بين أوديب وسيغفريد. ولنتذكر أن برونهيلدا، التي انغمست هي الأخرى في حب مطلق للبطل المُحرر، تُترك وراءه في اندفاعه الذي لا يُوقف، فتتحول في النهاية إلى نوع من «السفينكس» عندما ساعدت في موت سيغفريد على يد هاغن، على الرغم من أن فاغنر، في النهاية، يقود الدراما إلى خاتمة تبعث على الأمل، حيث تكون برونهيلدا هي الشخصية التي تفتح له الباب نحو عصر جديد. لكن هذا الموضوع يكفي ليس لمحاضرة واحدة، بل لعدة محاضرات، ولذا فإننا نتركه جانباً هنا.
ومن الجدير بالذكر أن الشيخ عبد القادر ألقى المحاضرة التي انبثق عنها كتاب «درع أخيل» في عام 1989، واستلهم من هذا العمل الذي كتبه كوكتو في عام 1932، حيث كان هذا العبقري الفرنسي أول كاتب في القرن العشرين يستخدم مسرحية «أوديب» لسوفوكليس ليضعها في السياق المعاصر، مع إضفاء تفسيره الخاص عليها. وبعد ثلاث سنوات، في عام 1992، نشر الشيخ عبد القادر كتاب «أوديب وديونيسوس»، متجاوزًا في إعادة تفسير العمل، فبرغم أن كوكتو كان قد أشار بالفعل في مسرحيته إلى إمكانية أن تصبح المرأة شريكة متعاونة ولا تتصرف كالسفينكس، فسيكون شيخنا هو من يفتح باب الخروج من المأساة العائلية ورحيل أوديب وزوجته أستيميدوسا، تاركين وراءهما نسيج الدولة الذي سيكشف عن أوديب مزيف سيُضحى به أمام الشعب من أجل الغفران عن جميع الذنوب…
وبالمثل، فإن رواية «درع أخيل» تحتوي، في رأيي، على اقتباس كاشف كان ينذر بالفعل بضرورة هذا الاكتشاف المُحرر، ويوجه كل انتباهنا إلى الدراما العائلية وإلى الحاجة الأساسية التي يجب تلبيتها قبل الشروع في أي عمل تجديدي:
«لكن لا يمكن أن يحدث أي من هذا دون كسر باب الباستيل أولاً، أي الاستيلاء على الباستيل من العائلة البرجوازية. هذه هي المقدمة الضرورية لتدمير الدولة العالمية. الدولة العالمية، التي هي ظاهرة يهودية في مصدر إلهامها ورمزيتها وعلم الإشارات الخاص بها، ويمكن إثبات أنها تستمد قوتها من هذا النظام العائلي. في اللحظة التي كسروا فيها أبواب الباستيل، حطمت جماهير باريس هذا الرمز للطغيان، ووجدوه خالياً، وكان من بين السجناء القلائل الماركيز دي ساد السادي، ملتصقاً في زاوية ما. لذلك، عند هدم باب الأسرة، سيُكتشف الأب المستبد والطفولي والوضيع.”
وختاماً لهذا المثال الذي يوضح أهمية استكمال دراسة أعمال الشيخ عبد القادر ببعض العناصر الخارجية التي تستمد منها إلهامها، والتي اخترناها نظراً لسهولة الاعتماد على عملين فقط، سننتقل الآن إلى العنصر الآخر المعني، وهو فيلم من عام 1984 بعنوان «غريستوك: أسطورة طرزان، ملك القرود» للمخرج هيو هدسون.
يقول الشيخ عبد القادر: «يمكن فهم المسألة الأساسية من خلال نموذج طرزان. وأنا أشير هنا إلى الأسطورة الأصلية، أو إن شئتم إلى فيلم «غريستوك»، الذي يعكس النسخة الصحيحة من القصة، لأنه يتضمن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا. سأذكركم بالقصة كما ذكرتكم بـ«الإلياذة»، لأنني أعلم أنكم تعرفونها جيدًا. ينشأ ابن لورد اسكتلندي في الغابة على يد القرود، ثم يُعاد إلى إنجلترا في العصر الفيكتوري، ويُربى على طريقة النبيل الإنجليزي — أو بالأحرى الاسكتلندي — وعندما يرى كيف يعيشون وماذا يفعلون، يقول: «لا، سأعود إلى الغابة”، مما يدفعنا إلى التساؤل: «هل العودة هي الخيار الوحيد؟» هل يعني هذا أنه لا يمكن للمرء أن يتحرر مما حدث له في السنوات العشر الأولى من حياته؟»
بعد مشاهدة الفيلم، من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن البطل، بعد محاولته الاندماج في أسرته البيولوجية وفشله في ذلك بسبب افتقاره إلى التربية المنظمة — حيث تربى، وكأنه يتيم (عن أبويه البشريين)، على يد القرود ونشأ في جو من العفوية المطلقة — ينتهي به المطاف، قبل أن يعود إلى الغابة مرة أخرى، في وسط المساحة الشاسعة لممتلكات العائلة وأمام القصر العريق لأسلافه، وهو يردد مرارًا وتكرارًا كلمتين: «أبي!» «عائلتي!» إنه يائس ومليء بالألم لعدم قدرته على الاندماج في عائلته، أو بالأحرى لأن هذه العائلة لم تعد موجودة، لكن الأهم ما يظهر هنا هو أن إنسانيته، التي هي كلها فطرة، تساعده على التمييز، وعلى عدم الوقوع في الفخ المدمر الذي أعد له القدر. الحب الهائل الذي كان يشعر به تجاه جده، والذي يتم تصويره في مشهد يظلان فيه كلاهما جالسين على سور يُطل من فوقه على كامل ممتلكات العائلة، ويقوم الجد، بكلمات مليئة بالحب، يجعله مسؤولاً عن الحفاظ على ممتلكات العائلة سليمة بصفته السليل الأخير، الذي سيصبح لورداً، وسيرث كل شيء، مما كان ينبئ بحياة سيكون هدفها الرئيسي الحفاظ على إرث عائلته. وفي هذا المستقبل المتوقع، كانت تظهر أيضًا الشابة جين، الأمريكية التي كان جدّه يرعاها، والتي كانت قد أعربت له بالفعل عن حبها وكانت تتطلع إلى أن يتولى دوره كممثل جديد للقب النبيل. ومع ذلك، فإنه، خلافًا لكل التوقعات، يتخذ قرارًا بترك كل شيء وراءه والعودة إلى موطنه البدائي البعيد. وفي هذه الرحلة، سيرافقه معلمه القديم وجين التي، كما يؤكد المعلم المذكور في المشهد الأخير، على الرغم من أنها ستعود في ذلك الوقت إلى إنجلترا، فإنها ستلتقي يوماً ما بتارزان مجدداً لتشارك حياتها معه بعيداً عن الحضارة.
وكما نرى، أينما وضعنا عمل الشيخ عبد القادر، سنجد دائمًا ترابطًا استثنائيًا بين جميع العناصر المرافقة له، مما يكشف عن نمط موحد وواضح.
وكما هو متوقع، لا يمكن دراسة أعمال الشيخ دون أن نُصدم في أعماقنا بما استوعبناه منها. ولا بد أن يكون لهذا دائمًا تداعيات على جميع المستويات: الخارجية والداخلية والباطنية. ومن المواضيع التي تظهر باستمرار في كتاباته فخ الدراما العائلية وضرورة تفكيكها بطريقة أو بأخرى.
طوال السنوات التي تشكلت خلالها مجتمعاتنا في مختلف أنحاء العالم حول شخصه وتعاليمه، كانت العملية دائمًا هي نفسها: فقد اجتذب الشيخ رجالًا ونساءً أرادوا ترك محيطهم العائلي الذي نشأوا فيه وراءهم، والحصول على فرصة التحول التي يوفرها لهم الدين والصوفية، ثم شكّل هؤلاء الأعضاء الأوائل أسرهم الخاصة، وبعد ذلك كان الشيخ ينتقي من بين هذه الأسر أولئك الذين رأى فيهم إمكانيات أكبر للتقدم و/أو الفائدة للآخرين. اليوم، للأسف، لم يعد الشيخ عبد القادر بيننا، وما زالت العائلات تنمو، وقد وصل بعضها إلى الجيل الثالث وستدخل قريبًا الجيل الرابع. ولا مفر من أن تُطبع هذه العائلات طابعها الخاص، بدرجات متفاوتة، على جميع أفرادها. وبدون التوجيه المباشر للشيخ عبد القادر، قد ننسى ذلك العمل القادر على كل شيء، الذي يمحو أي عيب، ويخفف — مثل الذكر والصوم — من حدة «النفس»، والذي اتخذه الفقراء الأوائل منذ البداية أساسًا لتنشئتهم وعملهم: الخدمة. وقد نتساءل: ما معنى هذا الخدمة اليوم بعد أن رحل الشيخ؟ ما بدأ كخدمة لشخصه وللمجموعة الصغيرة من الفقراء التي كانت تحيط به، أصبح بعد ذلك راسخًا بتوجيهه الصارم عندما تركنا منظمين في مجتمعات تحت سلطة واحدة، وهي سلطة الأمير. وهذا، بالإضافة إلى كونه حماية بكل المقاييس، له أهمية تتضح لنا اليوم على أنها لا غنى عنها؛ فهذه الجماعات التي أنشأناها في أنحاء العالم هي الحقول التي يمكننا أن نصب فيها كل إرادتنا وعملنا في الخدمة، حتى نتمكن من دعوة الناس من الخارج إلى شيء حقيقي.
بغض النظر عما نحن عليه الآن كأفراد، سواء كنا برونهيلدا أو سيغفريد، أو سفينكس، أو حتى ماركيز دي ساد الذي تم تحييده، أو كنا نعيش مع عائلة، أو نعيش بمفردنا بعد تفككها، فإن خدمة المجتمع ستقضي على كل شيء وستشكل لنا مسارًا جديدًا للتحول. وإذا نسينا هذا، فلن تفيدنا كثيرًا لا المؤتمرات، ولا «الديكرا»، ولا كل «الموسيمات» التي نقيمها.
وهذا يقودنا الآن إلى خاتمة هذه الندوة، مع التركيز على الحاضر والمكان الذي نحن فيه؛ وبما أن هذه الأيام تدور حول موضوع المدينة المنورة كمحور رئيسي، وهو ما ستتناوله الندوة القادمة، فسنحاول وضع كل هذا في هذا السياق الآن، حتى نتمكن من رؤية وضع مجتمعاتنا في العالم، ضمن الأمة الإسلامية، بوضوح أكبر، بصفتنا مسلمين تتمثل علامة هويتنا المميزة في تمسكنا بنموذج المدينة المنورة وتأكيده باستمرار.
لا، لا تقلقوا، لن أتحدث هنا الآن عن المدينة المنورة، ولا عن نموذج المدينة المنورة، فلدينا في هذا الصدد سيدي عبد الغني الذي هو، بلا شك، الشخص المناسب للحديث عن هذا الموضوع. نحن هنا اليوم سنلقي فقط نظرة سريعة، تكاد تكون من زاوية العين، على ما حدث هناك مع القبائل، والعشائر، والأسر، باختصار. نعلم جميعًا، من خلال نصوص تلك الحقبة ومن خلال كل السنوات التي قضيناها في محاولة التعرف بعمق على «أمل المدينة»، أن ثورة الإنسانية الكبرى قد حدثت هناك. وكانت هذه الثورة الحقيقية، من بين أمور أخرى كثيرة، هي التفاني المطلق الذي دفع الأنصار إلى التضحية بأغلى ما لديهم لمن جاءوا خالي الوفاض. ومن الواضح أن هذه الظاهرة برمتها انبثقت من الله عبر النبي صلى الله عليه وسلم، من حب شديد بدأ يتوقظ أولاً في قلوب بعض الرجال والنساء من قريش، ثم انتشر تدريجيًا إلى «خيرة كل بيت»، ليشمل أفرادًا من جميع العائلات والعشائر والقبائل في شبه الجزيرة العربية. وهنا يكمن العنصر الذي يهمنا اليوم، هذا الحدث ذو القيمة التي لا تُقدَّر للبشرية، والذي يظل صالحًا حتى نهاية الزمان، والذي ما كان ليحدث لولا أن الله قد قضى بأن يتمكن هؤلاء الرجال والنساء من تنحية الطابع الصارم والمصير الذي فرضته عليهم عائلاتهم. هذا الحب الجارف للنبي صلى الله عليه وسلم دفعهم إلى تكوين أفضل أمة على وجه الأرض. أمةً هز فيها خدمة الآخرين وحبهم كل شيء حتى أساساتها. وقد شكلوا نقطة تحول في جميع الأحداث التي كانت حتى ذلك الحين ذات طابع عائلي مغلق، أو عشائري. لا أستطيع، لا يمكنني أن أتخيل عيد الأضحى في عهد المدينة المنورة، حيث كان كل شخص يأكل لحم الضحية في منزله، مع عائلته.
مع مراعاة الفروق في الزمان ودرجات الارتفاع، بين المرسل والمستقبلين، سعى الشيخ عبد القادر، اتباعًا لهذا النموذج، إلى أن يكون هذا النمط المجتمعي دائمًا الأرضية التي ننمو عليها، وبفضل التشجيع المستمر والارتقاء الروحي من جانب شيخنا، أصبح الخدمة، بأي شكل من أشكالها، تُعتبر بيننا المكانة الأسمى داخل مجتمعاتنا.
وهنا، اسمحوا لي أن أصف لكم بإيجاز مشهدًا ترك أثرًا لا يُمحى في نفسي…
أثناء وجودي في كيب تاون بعد انتهاء أحد المواسم، حل يوم الأحد، الذي كان في تلك المناسبة هو يوم زيارة قبر الوالي الذي كان يُقام شهريًّا. في تلك الفترة كنتُ في الجالية المكسيكية ولم يكن لي سوى اتصال محدود جدًّا بشيخنا. لذا توجهتُ إليه لتقديم تحياتي، فرأيته جالسًا على جدار حجري صغير في الخلف، وكان هناك عدة أشخاص ينتظرون لتقبيل يده وتحيةه، وكنت أتوق أنا أيضًا إلى تقبيل يده؛ فبعد ما أحدثته المسافة من ابتعاد بيننا، كنت أرغب في معرفة رأيه بشأن بقائي في المكسيك لخدمة الجالية هناك، لأن ذلك كان الشيء الوحيد الذي كنت أفعله طوال تلك الفترة. في لحظة ما، نظر إليّ الشيخ من بعيد، أو على الأقل هذا ما ظننتُه، فقام من مكانه، وأشار بإشارة خاصة ليترك الجميع ما كانوا يفعلونه ويوجهوا انتباههم إليه، تاركًا وراءه الناس الذين كانوا ينتظرون لتقبيل يده، وتقدم بسرعة إلى أقصى الساحة، ولدهشة الجميع، انحنى في زاوية حيث كان أحد رجال المجتمع المحلي ينظف جميع الأكواب والأطباق التي استُخدمت لتناول القهوة التي قُدمت سابقًا. ثم أمسك بيده وقبّلها. ودون أن ينطق بكلمة واحدة، عاد إلى المكان نفسه الذي كان فيه. في تلك اللحظة، تبددت كل شكوكي. فقد كان قد قال لنا دون أن ينطق بكلمة: انظروا، أنا أقبل يد من يخدم.
وفي الختام، سأترك لكلمات الشيخ عبد القادر نفسه أن تختتم هذه المحاضرة، مستشهداً هنا ببعض العبارات التي تركها لنا حول القوة التحويلية والتطهيرية للخدمة، وهو الطريق الذي يجب أن نتمسك به، مقدمين بذلك أفضل مثال لأبنائنا حتى يروا فيه طريقهم الخاص للنمو والتكوين كرجال ونساء مسلمين.
يقول الشيخ في كتاب «السفر»: «الفقراء هم الذين يخدمون أنفسهم من خلال خدمة الآخرين. إن خدمة الفقير هي ما تجعله أسمى من الجميع. الفقراء يعطون، أما الحكومات والدول فتأخذ».
ولكن بعد ذلك، ضعوا في اعتباركم ما قاله أبو مديان، «الغوز» عند الصوفيين:
«المتعة الوحيدة في الحياة هي صحبة الفقراء.
هؤلاء هم السلاطين، المعلمون، الأمراء.
إنهم السلاطين، والمعلمون، والأمراء؛ لأنهم أهل «الجدما». إنهم أهل «الجدما» بأيديهم، لكنهم أيضًا أهل «الجدما» بحكمتهم (المعرفة). إنهم يخدمون الناس بإرشادهم إلى الطريق الصحيح وبالكلمات الطيبة، الكلمات التي تشفي؛ إنهم الذين يحافظون على استمرار وجود العالم (…)».
في كتاب «في غيابي» نجد ما يلي: «(…) في الدورة الكبرى للفروسية، أو لنكون أكثر دقة، للفوتوة، −أي رجال الشرف والنبل الذين يظلون متحدين بفضل إيمانهم بالله وواجب الخدمة وحماية النساء وتحسين أوضاع الفقراء (…)».
يحتوي كتاب «الأمير المسلم» على ثلاثة فصول مخصصة بشكل خاص للخدمة: «خدمة الضيف»، و«خدمة المائدة»، و«خدمة الشورى»، ونستخلص هنا بعض الأسطر منها:
«قسم الواجب يعني الخضوع للخدمة، وهو الرابط الضروري الذي يضع الأمير في خدمة الشعب. هناك عقد الالتزام وعقد الحب. الأول هو ختم العبودية، والثاني هو ختم الحرية. الأول مقدر له أن ينتهي بالقوة، أما الثاني فحدوده محددة بفترة زمنية طبيعية.”
في «السمفونيات العشر لغوركا كونيغ»، يجعل الشيخ عبد القادر غوركا كونيغ يصرح بما يلي:
«(…) لا أعرف سوى شيء واحد. عليّ أن أخدم هذه القضية العظيمة وأن أعمل من أجل تحقيقها. هذه المهمة البطولية لا تحتاج إلى موسيقى؛ ما تحتاجه هو المعرفة ورجال ونساء مستعدون للخدمة. ولو أقول لك الحقيقة، أشعر أن حياتي، بعيدًا عن أن تكون قد أوشكت على الانتهاء، ما زالت في بدايتها. (…)».
في كتاب «المائة خطوة»، في الفصل الخاص بالشكر، يقال: «(…) الدرجة الأولى هي الشكر باللسان، وهو الذكر. والدرجة الثانية هي الشكر بالجسد كله، وهو عبادة الله سواء في طاعة ما أوجب أو في إغاثة عباده. (…)».
في فصل «النويابا» (النبلاء): «(…) يتميز النواة الداخلية للـ«نقاب» باهتمامهم وخدمتهم المتواضعة للآخرين. إنهم خدام الفقراء. وهم حريصون على اتباع السنة النبوية وتقليد حبه العميق للمساكين والضعفاء والمتألمين. (…)”.
هذا كل شيء.
فليبارك الله رسوله وأهل بيته وصحبه، الذين تركوا لنا المثال الكامل لكيفية تغيير المجتمع وكيفية بناء مجتمع يتنافس فيه الناس على وضع أنفسهم وأموالهم في سبيل الله!
فليبارك الله الشيخ عبد القادر وليكافئه على كل عمل حدث في الدنيا نابعاً من نيته وأفعاله وكل كلمة من كلماته! وليسمح لنا بالالتقاء به في الجنة!
فليجعلنا الله نعيش ونموت كأناس مكرسين لخدمة الله! ولنتمكن من ترك هذا الأثر في ذريتنا، بحيث نصل إلى نهاية حياتنا ونحن على يقين بأن نيتنا لم تتغير أبدًا، وأن من سيأتون بعدنا قد تولوا زمام الأمور. آمين.
Español

