تأملات حول الاحتفال بالمولد

الحمد لله، الذي أرسل رسوله ﷺ مبشراً ومنذراً، ويدعو إلى الله بإذن منه، ونورًا ساطعًا. فبفضل رسالته انفتحت العيون العمياء والقلوب غير المختونة والآذان الصماء. وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ.

وأشهد أنه لا إله إلا الله، الواحد، الذي لا شبيه له، الذي كرمنا بأفضل الكتب الموحى بها وأفضل الأنبياء المرسلين. وبفضل نعمته، جعلنا أفضل أمة ظهرت لخير البشر. يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر.

وأشهد أن محمدًا ﷺ هو عبده ورسوله، مرشد البشرية إلى الخير، ومن الظلام إلى النور.

أيها المسلمون، بعد غد، يوم الأحد، ستكون ليلة عيد مولد رسول الله ﷺ، التي يحتفل بها مسجد غرناطة ويكرمها منذ عام افتتاحه، حباً وتكريماً للنبي ﷺ، وهي ليلة عظيمة، مليئة بالبركات والأسرار. قال البصيري في «الحمزية»: «ليلة المولد ليلة مليئة بالسعادة والرخاء».

وعلى الفور، سمع الناس أصوات من يعلنون البشارة بأن «المختار» قد وُلد وأن السعادة قد حلت.

قال الله عز وجل: «إن الله قد أنعم على المؤمنين بإرسال رسول من أنفسهم يقرأ عليهم آياته ويطهرهم ويعلمهم الكتاب والحكمة؛ فقد كانوا من قبل في ضلال مبين». إن الاحتفال بميلاد نبينا ﷺ يعني الفرح بنعمة الله ورحمته وبركته، سبحانه وتعالى. فقد قال في كتابه: «قل: «فليفرحوا بنعمة الله ورحمته، فذلك خير مما يجمعون»». وهذا يعني تجديد حبنا لله عز وجل وحبنا لنبيه ﷺ. وفي آية أخرى: «قل: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني، يحبكم الله ويغفر لكم ذنوبكم. إن الله غفور رحيم». ومحبة نبينا ﷺ تعني طاعة أوامره، واتباع سنته، والسير على طريقه، وتجنب ما نهى عنه ﷺ. يقول الله عز وجل: «ما أعطاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فاتركوه».

أيها المسلم، توقف عند ذكرى مولد النبي، وتأمل في سنة خاتم الأنبياء والرسل. واسأل نفسك: هل تتبع حقًا هذه السنة المجيدة في أفعالك؟ اسأل نفسك: هل درست حياة المصطفى ﷺ الذي تحتفل بميلاده كل عام؟ هل درست حياة هذا النبي الكريم؟

قال أحد الحكماء: «من ادعى محبة النبي ولم يتمسك بسنته فهو كاذب».

أيها المؤمن، جدد نيتك وعزمك على اتباع سنة نبيك ﷺ واجتهد في قراءة ودراسة ونشر سيرة نبينا الكريم، الذي أقسم الله به في القرآن الكريم عندما قال: «بحياتك، إنهم في سكرهم، يعمون».

حياته هي حياة القلوب، ولأنه الشريعة، والعلم، والأخلاق، والحب، والهداية، والنور.

أيها المسلم، لا يليق بك أن تجهل حياة نبيك ﷺ منذ ولادته وحتى وفاته، بل ولا حتى حياة أصحابه.

يا عباد الله، علينا أن نعتبر هذا المولد بمثابة ولادة جديدة لتجديد إيماننا، ولزيادة محبة نبينا ﷺ في قلوبنا، كما قال في كلماته: «هناك ثلاث صفات، من اتسم بها ذاق حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه من كل شيء؛ ومن يحب إنسانًا إلا من أجل الله؛ ومن يكره العودة إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كمن يخشى أن يُلقى في النار».

كما ينبغي زيادة الصلوات على النبي ﷺ. يقول الله تعالى: «إن الله وملائكته يصليون على النبي. فصَلُّوا عليه وسَلَّموا عليه»

هذا أمر من الله، سبحانه وتعالى، بعد أن أرسل هو وملائكته المقربون الصلوات على النبي ﷺ.

وقال النبي ﷺ: «من دعا لي، دعا الله له عشر مرات، ومن دعا لي عشر مرات، دعا الله له مائة مرة».

لذا، فزودوا من الصلوات على هذا النبي الكريم، بعد الصلاة وفي كل لحظة.

يجب أن يكون مولد النبي ﷺ فرصة لنا لزيادة الحماس والإرادة، وللإيقاظ والتخلص من الإهمال، ولتعزيز سعينا وراء العلم، وللتخلص من غبار الكسل والتسكع وتأجيل ما يجب القيام به. يجب أن يكون هذا المولد بمثابة ولادة جديدة للأعمال الصالحة. فلتكن أعمالنا دائمًا مصحوبة بالاستقامة والإصلاح، وتحسين كل ما يحيط بنا.

كما يجب أن يسبق الإصلاح الاستقامة. فلا يمكنك أن تكون مصلحًا (مصلحًا) ما لم تكن قد كنت عادلًا قبل ذلك، كما قال النبي ﷺ في حديث يروى أنه عندما سُئل عن الغرباء (الغرباء) قال: «الذين يصلحون عندما يفسد الناس». وفي رواية أخرى: «أولئك الذين يصلحون ما أفسده الناس من سنتي».

فاتقوا الله يا عباده، وتمسكوا بسُنّة نبيه ﷺ، واتخذوه قدوةً لكم في السراء والضراء، في الصحة والمرض، في دياركم وفي السفر، وفي كل لحظة من حياتكم. يقول الله تعالى: «إِنَّ فِي الرَّسُولِ مَثَلًا حَسَنًا لِمَنْ يَرجُّ اللهَ واليَوْمَ الآخِرَ وَيَذْكُرُ اللهَ كَثِيرًا».

اللهم، امنحنا محبته واتباعه، واجعلنا نموت تحت راية سنته. وامنحنا الجوار معه في الجنة، وشفاعته في اليوم الذي لا يشفع فيه أحد سواه ﷺ.

يا الله، أنت العون الوحيد للمظلومين، فاعنهم واهزم الظالمين أينما كانوا، وأطلق غضبك وسخطك، واشفِ مرضانا، واحفظ ديننا وأرواحنا في الدنيا. آمين.