الحمد لله، الكريم، الواهب، غافر الذنوب وصاحب العذاب الأليم. هو الذي يقبل توبة عباده ويغفر الذنوب.
أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبد الله ورسوله، سيد التائبين وإمام التائبين ﷺ، والسلام والبركات على آله وصحبه ومن سار على طريقه حتى يوم القيامة.
أيها المسلمون! اتقوا الله وتوبوا إليه واطلبوا مغفرته. إنه هو الغفور الرحيم. يقول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا! توبوا إلى الله توبة صادقة، ليعفو عنكم ربكم ويُدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار» (سورة الحرم، 8). ما زلنا نصعد إلى مرتبة اليقين، وهي مرتبة «العارفين»، والمتقين، والذين يرجون مغفرة ربهم، والشكرين، والصابرين، والذين يتوبون إليه. ومن يبلغ هذه المراحل ويتصف بهذه الصفات، فهو على طريق اليقين، وإلا فإنه لا يملك سوى الأماني والآمال الزائفة.
أيها المؤمنون! التوبة هي من أعمال الطاعة التي يحبها الله ورسوله. يقول الله تعالى: «إن الله يحب التائبين ويحب المتطهرين».
ورد في «صحيح مسلم» أن النبي ﷺ قال:
إن فرح الله بتوبة عبده أكبر من فرح أي واحد منكم، الذي يكون في أرض قاحلة فتفلت منه دابته التي تحمل طعامه وماءه. ففي تلك اللحظة، بعد أن ييأس من العثور عليها، يستلقي في ظل شجرة، وبينما هو هناك، تظهر دابته واقفة بجانبه، فيمسك بزمامها على الفور. وبدلاً من أن يقول: «يا الله، أنت ربي وأنا عبدك!»، يقول: «يا الله! أنت عبدي وأنا سيدك».
لقد أخطأ بسبب الانفعال والفرح الشديد. فكروا في فرح هذا الرجل بفرسه، واعلموا أن رضا الله عز وجل عن عبده عندما يتوب يفوق فرحه. ومع ذلك، فإن الله ليس بحاجة إلى توبته. فطاعة الإنسان لا تنفع الله، وعصيانه لا يضره.
التوبة، يا عباد الله، لا ينبغي تأجيلها، فهي واجبة على الفور. إن الله يقبل توبة التائبين، مهما كانت ذنوبهم كبيرة، حتى لو بلغت أعلى السماوات. يقول الله تعالى في كتابه: «قل: يا عبادي الذين أفرطوا في الذنوب على أنفسهم، لا تيأسوا من رحمة الله، إن الله يغفر كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم». (سورة المجموعات، 53)
يا عباده! التوبة محطة عظيمة، وهي أمر محمود عند الله. إنها الطريق إلى النجاح والهداية. يقول الله عز وجل: «فَتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلّكم تنجحون». (سورة النور، الآية 31). والتوبة هي الرجوع إلى الله بترك ما يكرهه، ظاهريًّا وباطنيًّا، والتزين بما يحبه، ظاهريًّا وباطنيًّا.
قال ابن القيم: «محطة التوبة هي الأولى من المحطات، والوسطى، والأخيرة، فلا ينبغي للعبد أن يبتعد عنها، عارفاً أنها بدايته ونهايته». أي أن التوبة لها أجل، وهي قبل المرض والموت. قال ابن عباس في تفسير الآية التي يقول فيها الله عز وجل: «إن الله لا يقبل التوبة إلا لمن أخطأ بجهل ثم رجع تائبًا» (سورة النساء، الآية 17): أي قبل المرض والموت. وهذا دليل على أن أفضل وقت للتوبة هو أن يسارع المرء إلى التوبة وهو في صحة جيدة قبل أن يصيبه المرض الذي يمنعه من فعل الخير. ويُفسَّر ذلك بقول الله تعالى: «وَلَنْ يُقْبَلْ تَوْبَةُ الَّذِينَ عَمِلُوا السَّوءَ، فَلَمَّا جَاءَهِمْ الْمَوْتُ قَالُوا: «الآنَ تُبْتُ»؛ ولا الَّذِينَ مَاتُوا كَفَّرِينَ. «لأولئك أعددنا عذابًا أليمًا» (سورة النساء، الآية 18).
قال سيدي أحمد زرق: «من شروط التوبة الكاملة: السعي إلى الثبات بعد التوبة، والابتعاد عن كل ما يسبب الإغراء، والسعي إلى الكمال».
كما ذكرنا الحزن على ما فقدته. وكما قال النبي ﷺ في حديث السبعة الذين سيظللهم الله يوم القيامة: «رجل ذكر الله فدمعت عيناه»، أي ذكر عيوبه وذنوبه وعصيانه.
ومن شروطها التوقف فوراً عن ارتكاب الخطأ، أي عدم تأجيل الإقلاع عن الذنوب، وكذلك الوفاء بحقوق الله على أفضل وجه وأكملها، مثل أداء الصلاة في أوقاتها، ودفع الزكاة، وما إلى ذلك.
من أهم شروطها أن تعوض عن المظالم التي قد تكون ارتكبتها قبل أن يحل بك الموت. هذه هي محطة التوبة، التي تؤدي إلى محطة اليقين. اسأل نفسك، يا مسلم، هل أنت حقاً تسير مباشرةً نحو مكان اليقين؟ كيف تتعامل مع المراحل السابقة: الخوف، والأمل، والشكر، والصبر؟ هل ترتقي إلى القمة أم أن الأخطاء تقودك إلى الحضيض؟
اللهم، امنحنا التوبة التي توب إليها الشهداء والأنبياء والصالحون، وامنحنا موسم التوبة، فأنت التواب الرحيم، واغفر ذنوبنا، وافتح صدورنا، واستبدل ذنوبنا بأعمال صالحة، وارحم إخواننا المضطهدين في كل مكان. آمين.
Español

