محطة ريدا

الحمد لله رب العالمين، وأفضل مكان إقامة هو للمتقين.

إن الله، سبحانه وتعالى، يعامل من يشاء بنعمته ورضاه، ومن يشاء بمستيقته وعدله.

لقد نجح أولئك الذين رضي الله عنهم، أما أولئك الذين سخط الله عليهم فقد خسروا وضلوا.

أشهد أن محمدًا هو عبد الله ورسوله، المحبوب والمرتضى ﷺ.

أيها المسلمون! اتقوا الله كما يجب أن يُخشى، وتوبوا إليه توبة تامة لعلّكم تنجحون.

واعلموا أنه لا يوجد شيء يفوق رضا الله عز وجل.

في السعي وراء «الرضا»، ذرفت عيون «العارفين» الدموع، وتألمت قلوب «الصالحين»، وسارعت أقدام «العبادين» إلى الصلاة في جوف الليل. وقد جعل الله عز وجل رضاه أعلى من الجنة، وخص به ما بعد دخولها. قال الله عز وجل: «قل: أتريدون ما هو أفضل من ذلك؟ من اتقى الله فسيكون له عند ربه جنات تجري من تحتها الأنهار، يخلدون فيها، ولهم فيها زوجات طاهرات ورضى الله. إن الله يرى عباده». وقد ورد في الحديث أن الله، سبحانه وتعالى، يقول: «يا أهل الجنة!». فيقولون: «ها نحن في خدمتك يا ربنا». فيقول: «هل أنتم راضون؟». فيقولون: «كيف لا نكون راضين يا ربنا، وقد أعطيتنا ما لم تعطه لأحد غيرنا من خلقك؟». فيقول: «ألا أعطيكم شيئًا أفضل من كل ذلك؟». فيقولون: «يا رب، ما الذي يمكن أن يكون أفضل من ذلك؟». فيقول: «أمنحكم رضاي، ولن أغضب عليكم أبدًا بعد اليوم».

أيها المؤمنون! قبل أن يسعى العبد إلى رضا الله، عليه أن يتمعن في أقواله وأفعاله، ليتأكد مما إذا كانت من الأمور التي ترضي الله أم، على العكس، من الأمور التي تثير استياءه، سبحانه وتعالى. ومن يرضي الله، يرضيه الله. وقد قال النبي ﷺ في الحديث: «أحيانًا يقول العبد شيئًا يرضي الله دون أن ينتبه إلى ذلك، فيرفعه الله درجات بسبب ذلك؛ وأحيانًا يقول شيئًا دون أن يدرك أنه يثير غضب الله، فيؤدي به ذلك إلى النار». البخاري.

وفي حديث آخر: «من سعى إلى رضا الله على حساب استياء الناس، فإن الله يكفيه، أما من أساء إلى الله سعياً وراء رضا الناس، فإن الله يتركه في أيدي الناس».

تنص الشريعة على أنه لا يجوز طاعة مخلوق بما يخالف أمر الله. وقد قال الله تعالى عن أولئك الذين يسعون إلى إرضاء مخلوق ويستاء الخالق: «يريدون أن يختبئوا من الناس، لكنهم لا يستطيعون الاختباء من الله».

قال ابن عباس إن هذه الآية تعني أنهم يخجلون من الناس، ولكنهم لا يخجلون من الله.

يا عباده! من الأمور التي تُكتسب بها رضا الله الشكر على النعم، وعدم التكبر أو التفاخر بها. قال الله تعالى: «وإن تشكروا فأنا أشكر» وينطبق هذا أيضًا على الإخلاص والتوحيد في العبادة. ويشمل ذلك سعي العبد إلى التوفيق بين الناس، وتوحيدهم، ونشر المحبة بينهم، كما ورد في الحديث: «إن الله يريد لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تتمسكوا جميعًا بحبل الله ولا تتفرقوا. وعلى العكس من ذلك، فإن الله يكره ثلاثًا: النميمة، والإسهاب في السؤال، وإسراف المال». رواه مسلم.

يا عباد الله! من الأعمال التي تنال رضا الرحمن الرحيم الإنفاق في سبيل الله. ومن أمثلة ذلك الإنفاق في الأمور التي تعود بالنفع على الناس، دون نية الحصول على شيء لنفسك، وتقديم المساعدة للمحتاجين، وتقديم التبرعات بجميع أنواعها، وإقامة الوقف، الذي لا تنتهي أجرُه.

قال الله عز وجل: «إن الذين ينفقون أموالهم رغبة في رضا الله، وكونًا من أنفسهم، يشبهون حديقة غنّاءً مرتفعةً، تهطل عليها أمطار غزيرة، فتثمر ثمارها مضاعفةً إياها مرتين». كما أن المصالحة بين الناس ترضي الله. مثل المصالحة بين الزوجين، وبين الأبناء والآباء، وبين أفراد المجتمع الواحد، وكذلك بين المجتمعات المختلفة بعضها مع بعض.

يقول الله تعالى: «إن كثيراً من أحاديثهم السرية لا تحمل أي خير. إلا من أمر بالإنفاق، أو عمل بالمعروف، أو صالح بين الناس. ومن فعل ذلك، رغبةً في رضا الله، فسنمنحه أجراً عظيماً». وكذلك أن يكون الإنسان لطيفًا مع الناس ويعاملهم معاملة حسنة. قال النبي ﷺ: «إن الله متسامح ويحب التسامح ويرضى به». وهكذا، فإن كل عمل صالح يقوم به الإنسان بنية نيل رضا الله يجلب له رضاه، وهو الرضا السلمي. وتقبل القضاء، سواء كان خيرًا أم شرًّا، وعدم التذمر عند وقوع مصيبة. وهذا هو أعلى درجات الأدب الذي نقله النبي ﷺ إلى أصحابه عندما توفي ابنه إبراهيم، حيث قال: «ستذرف العيون الدموع وسيحزن القلب، ولن نقول إلا ما يرضي الله». ومن دعاء نبينا ﷺ إلى الله: «أسألك أن أصل إلى فعل ما يرضيك وحدك».

نعلم أن من يرضى الله عنه ومن يغضب الله عليه لن يكونا أبدًا متساويين. يقول الله تعالى: «هل من يسعى إلى ما يرضي الله مثل من يجلب غضب الله؟». وفي الحديث، من يغادر هذه الدنيا وهو يعبد الله بإخلاص، دون أن يشرك به أحداً، ويؤدي صلاته، ويؤدي زكاته، فإنه يغادر هذه الحياة والله راضٍ عنه. فكيف يمكن لمن يهمل الصلاة أن يسعى إلى رضا الله؟ وكيف يمكن لمن يرفض دفع الزكاة أن يطلب أن يكون من بين أولئك الذين يرضون عن الله، والذين يرضى الله عنهم؟

أيها المؤمنون! من بين الأمور التي تبعد العبد عن رضا الله الإفراط في ارتكاب الأخطاء، والفجور، والعصيان، خطيئة تلو الأخرى، وتجاوز تلو الآخر… قال الله تعالى: «إن الله لا يرضى عن الفاسقين».

كما أن من الأمور التي تحول دون نيل رضا الله عصيان الوالدين، ويشمل ذلك إهانة الوالدين أو النظر إليهما بازدراء… قال النبي ﷺ: «رضى ربك في رضا والدك، وسخط ربك في سخط والدك».

من يعصي والديه لن ينال رضا الله، ولن يشم عطر الجنة. وبالمثل، فإن ترويض النفس يجلب رضا الله ويؤدي إلى الجنة.

امتنع عن كل الرغبات والانحرافات حتى تصبح تلك الروح الطمأنينة التي وصفها الله عندما قال: «يا نفس الطمأنينة، عودي إلى مكانك، راضية وقانعة، وادخلي بين عبادي وادخلي جنتي».

اللهم امنحنا رضاك وجنتك، واحمنا من غضبك، واهدنا إلى ما يرضيك، وأبعدنا عن غضبك. إنك صاحب الرحمة وصاحب المغفرة. اللهم، إننا مقصرون في عبادتك، فلا تهيننا، فأنت أفضل الغافرين. اللهم، امنح دعمك لإخواننا المضطهدين، واهزم الظالمين أينما كانوا. آمين.