محطة الحب

الحمد لله، الذي جعل محبة نبيه جزءًا من محبته ورضاه، ويسر الوصول إلى هذه المحبة لمن يتوق إليها من عباده، وجعلها من أفضل الطرق التي يمكن للعبد من خلالها أن يقترب من ربه ومالكه.

وأشهد أنه لا إله إلا الله، الواحد الذي لا شبيه له، وأن محمدًا عبده ورسوله ﷺ، والسلام والبركات على آله وصحبه ومن اتبع هدايته.

أيها المسلمون! اتقوا الله واجعلوا ذلك زاداً لكم، فإن الطريق طويل، واحذروا ثقل الذنوب، فإن الطريق شاق. واعملوا الصالحات، فإن الله يرى ما تعملون.

واعلموا أن الهدف النهائي من هذه المراحل هو محبة الله ومحبة رسوله ﷺ.

المحطة التي ذكرها الله، سبحانه وتعالى، في كتابه، وقال: «قل: إذا كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وزوجاتكم وعشيرتكم وما اكتسبتم من أموال، والتجارة التي تخشون أن تفقدوا ربحها، والمساكن التي ترضيكم، أعز عليكم من الله ورسوله والجهاد في سبيله… فانتظروا حتى يأتي الله بأمره. إن الله لا يهدي القوم الضالين» (9:24). هذا تحذير لمن يفضلون أي شيء على محبة الله ورسوله ﷺ. ومن يتذوق حلاوة محبة الله ورسوله دون أن يخلّ شيء بهذا الحب، فقد بلغ مرتبة اليقين ومرتبة حلاوة الإيمان.

قال الإمام الغزالي: «الحب شجرة تظهر ثمارها في القلب واللسان والأطراف».

لا يكفي أن تظهر في لغتك فقط، دون أن تظهر في اللغات الأخرى. قال الحسن البصري: «كان هناك قوم ادعوا محبة الله، فامتحنهم الله بهذه الآية: «قل: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني، يحبكم الله ويغفر لكم ذنوبكم. إن الله غفور رحيم»». من اتبع معلمنا محمدًا، رسول الله، ولم يحيد عن سنته، وتمسك بسنته، ولم يعص أوامره، فسيُكتب في كتابه حب الله. سيحبه الله عز وجل ويمنحه النجاح في الدنيا والآخرة. أما في الحالة المعاكسة، فيقول الله تعالى: «ومن يعصِ الله ورسوله ويتجاوز حدوده، فأدخله نارًا يخلد فيها ولها عقاب مهين».

يا عباد الله، القلوب تميل إلى من يعاملها بالإحسان، وأفضل المحسنين هو الله سبحانه وتعالى. يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: «وكل نعمة لديكم فهي من عند الله». ومن نال محبة الله، باتباع أوامره وترك محظوراته، نال السعادة والرخاء في الدنيا والآخرة. ورُوي عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أنه قال: «قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «من توفرت فيه هذه الثلاث (الصفات) وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه من كل شيء، وأن يحب شخصًا ما لمجرد الله وحده، وأن يبغض الرجوع إلى الكفر كما يبغض أن يُلقى في النار».

أما من كان مشغولاً بالدنيا، مما يمنعه من الوقوف أمام الله وقت الصلاة، مفضلاً أمور الدنيا، مثل التجارة والبيع والشراء وما إلى ذلك، ومهملاً الصلاة في أوقاتها، فإن حبه لله لا يتعدى لسانه.

أيها المؤمنون! من علامات محبة الله لعبيده أن يهديه إلى الخير ويختم حياته بالخير. قال النبي محمد ﷺ: «إذا أراد الله الخير لعبيده استخدمه». فسأل رجل: «كيف يستخدمه يا رسول الله؟» فأجاب: «يهديه الله إلى الأعمال الصالحة قبل وفاته، ثم يميته على ذلك». بعبارة أخرى، لا يكل من فعل الخير حتى يلتقي بربه فيكون ربه راضياً عنه.

كل حب يقوم على العصيان والمصالح الدنيوية، سيتحول إلى عداوة شديدة في يوم الحساب. يقول الله عز وجل: «في ذلك اليوم يصبح الأصدقاء أعداءً لبعضهم البعض، إلا الذين يتقون الله». (سورة الدر، 67)

كل زواج يقوم على المصالح أو على غاية أخرى غير الدين، فإن مصيره سيكون واضحاً، ولذلك قال النبي ﷺ: «تتزوجون المرأة لأربعة أسباب: مالها، ونسبها، وجمالها، ودينها. فلتتزوج التي تلتزم بالدين. وإلا، فستخسر». والدليل على ذلك أن كل ما عدا ذلك يزول، فالمال والجمال والمكانة لا تدوم.

ومن الأمور التي تولد محبة الله ورسوله ﷺ تلاوة القرآن، لأنه رسالة حبيبك. فكيف يمكنك أن تبتعد أو تتخلى عن رسالة من شخص تقول إنك تحبه؟ وكذلك زيادة العبادات النافلة بعد الصلوات المفروضة. والتذكّر المستمر بالقلب واللسان والأفعال.

قيل: «كيف يمكن لقلب محب أن يصدأ بسبب الأخطاء، في حين أن ذكراك الجميلة هي الدواء؟!!!».

وكذلك الأمر بالنسبة للتأمل في أسماء الله وصفاته، ومعرفة الصفات التي تليق به وتلك التي لا تليق به. وتأمل: كيف يمكنك أن تحب شخصًا لا تعرف صفاته وخصائصه؟

في الحديث، قال النبي محمد: «لله تسعة وتسعون اسماً، مائة ناقصاً واحداً. ومن تعلمها دخل الجنة». وفي القرآن: «لله الأسماء الحسنى. فادعوه بها». (سورة الأعراف، 180)

وهكذا، فإن ما يجذب محبة الله هو التأمل في نعمه وفي جميع مخلوقاته. والانفراد بالله، خاصة في الثلث الأخير من الليل الذي ينزل فيه رب المجد إلى سماء الدنيا ويقول: «هل من أحد يستغفر ليغفر له؟».

ولكن من ينام حتى بعد بزوغ الفجر، ثم يتوضأ ويشرع في صلاة الفجر، والشمس في أوجها، فما هذه الصلاة؟ من الذي تكذب عليه، وما الذي يؤخر الصلاة إلى ما بعد الوقت المحدد؟ القاعدة تقول: «من غاب فقد نصيبه». وفي الحديث: «اللهم بارك الفجر لأمتي».

أُغلق السوق، ومن ربح فقد ربح بالفعل، ومن خسر فقد خسر بالفعل. وكذلك حال الصالحين.

اللهم، نسألك محبتك، ومحبة من يحبونك، ومحبة كل عمل يقربنا من محبتك. اجعلنا من بين أولئك الذين تحبهم، ومن بين أولئك الذين هم ثابتون وقادرون على التوكل عليك، والذين يثقون بك ثقة حقيقية وكاملة، وحقق أملنا بالاستجابة لنا في كل ما نطلبه منك، فأنت الكريم، الواهب. لا تتركنا وحدنا ولو للحظة واحدة. ارحم إخواننا المضطهدين وامنحهم عونك، واهزم الظالمين والمعتدين في كل مكان. آمين.