الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يضع فيه من لبس، وأعطانا أفضل كتاب نُزل وأفضل نبي أُرسل. نحمده ونشكره على أنه جعلنا أفضل أمة أُخرجت للناس. وأشهد أنه لا إله إلا الله، الواحد، الذي لا شبيه له، وأن محمدًا ﷺ هو عبده ورسوله، قائد العرب وغير العرب، وإمام مكة والمدينة والحرم الشريف في القدس، والسلام والبركات على آله الطاهرين.
أيها المسلمون، قال الرسول ﷺ: «من قرأ سورة الكهف، فسيكون له نور يمتد بينه وبين مكة. وعندما يظهر الدجال، لن يستطيع أبدًا أن يضلل من يقرأ آخر عشر آيات منها…». يشير هذا الحديث إلى فضل سورة الكهف ومكانتها الرفيعة والدروس والحكمة التي تحتوي عليها هذه السورة. فهي تتناول جوانب مهمة وتقدم نماذج للتغلب على الانحرافات. وهذا ما يميز العصر الذي نعيش فيه الآن: الظلم المستشري، والمذابح، والحروب!!
تشير هذه السورة إلى الفتن الأربع في الحياة.
-فتنة الدين (قصة أصحاب الكهف)
-فتنة الثروة (صاحب الجنتين)
-فتنة العلم (موسى والخضر).
-فتنة السلطة (ذو القرنين)
كان نبينا ﷺ يستعيذ من الفتن ويحذر أتباعه من الاستعياد منها، قائلاً: «أسرعوا إلى عمل الخير قبل أن يحل الفساد والانحراف ويستشريا، فسيكونان كثيفين ومظلمين كالليل الأظلم. فسيستيقظ الرجل مؤمناً، ولما يحل الليل، يتخلى عن إيمانه وينقلب إلى الكفر، وهكذا دواليك يتخلى عن الدين من أجل الدنيا». وكذلك كان النبي ﷺ يقول في دعائه: «إن أردت أن تمتحن عبيدك (بالفتنة)، فخذ روحي، ولا تدعنا نقع في الفتنة». كما كان الرسول ﷺ يقول: «الموفق هو من حُفظ من الفتن»، وكرر ذلك ثلاث مرات. وقد نزلت هذه السورة، سورة الكهف، في سياق الرد على بعض الأسئلة التي طرحها المشركون على النبي ﷺ. أولئك الذين أرادوا اختبار نبوة الرسول ﷺ عندما أرسلوا عقبة بن أبي معيط وندير بن الحارث إلى أهل الكتاب. فقالوا لهم: «اسألوه عن ثلاث أمور، فإن أجابكم فهو نبي مرسل، وإلا فهو كاذب. اسألوه عن الروح، واسألوه عن الرجل التائه الذي طاف الأرض ووصل إلى المشرق والمغرب، واسألوه عن شبان اختفوا في العصور القديمة، وما هي قصتهم، لأنها قصة مذهلة». فذهبوا وسألوه. فقال لهم النبي ﷺ: «سأجيبكم غدًا». ولم يقل «إن شاء الله»، فتوقف الوحي بسبب هذا الإهمال لمدة خمسة عشر يومًا.
حزن النبي حزنًا شديدًا، فقال الله عز وجل: «ولا تقل عن شيء: سأفعله غدًا، إلا أن تضيف: إن شاء الله». يعلمنا القرآن أنه لا يجوز لنا أن نعد بفعل شيء أو نحدد موعدًا، مهما كان، دون أن نقول «إن شاء الله».
ثم أوحى الله إلى نبيه: «ويسألونك عن الروح. قل: الروح من أمر ربي، ولم يُعطَكم إلا القليل من العلم». فسأل النبي ﷺ جبريل عندما أنزل عليه سورة الكهف: «هل من شيء منعك من النزول؟» فقال له: «لا ننزل إلا بأمر ربك». توضح الآية بوضوح أن الروح هي من أمر الله، وسره وأمانته، التي أمر الله الملاك أن ينفخها في الإنسان أثناء تكوينه في رحم أمه، كما سيأمر ملك الموت بأن يأخذ هذه الأمانة عندما يحين أجله. لله ما يمنح وما يسلب، وكل شيء عنده بمقياس.
ثم تذكر السورة أصحاب الكهف الذين هربوا لحماية دينهم خوفاً من الظالمين والفتنة. قال الله عز وجل: «لَمَّا لَجَأَ الشَّابُّونَ إِلَى الْكَهْفِ وَقَالُوا: رَبَّنَا، أَعْطِنَا رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَهُدِّناَ إِلَى الصَّبِحِ». استجاب الله لدعائهم، وأكرمهم بالبركات، وحماهم برحمة النوم، فأبقاهم في نوم عميق، وأنقذهم من فتنة الظالمين. وقد ناموا لأكثر من ثلاثمائة عام. قال الله عز وجل: «وقد مكثوا في كهفهم ثلاثمائة عام وتسعة. قل: الله أعلم كم مكثوا».
يا عباد الله! نستخلص من قصة أصحاب الكهف أن الدعاء هو وسيلة للحماية من مختلف أنواع الفتن. الدعاء هو سلاح المؤمن في أوقات الشدة والراحة، ولذلك أمرنا الله عز وجل أن ندعوه في كل ركعة من الصلاة: «اهدنا الصراط المستقيم» (اهدنا إلى الصراط المستقيم) وكذلك في السجود، وبالحقيقة في كل لحظة.
تتجلى الفتنة في الدين بأشكال عديدة تنبع من التطرف. قال الله عز وجل: «قل: يا أهل الكتاب! لا تحرفوا الحق في عبادتكم». والسبب في الفتن في الدين هو اتباع الجاهلين في ممارسة العبادة، والمتطفلين على الطريق وعلى المنابر، أولئك الذين يدعون إلى الإسلام دون علم، أولئك الذين لا يمتلكون أدوات الدعوة، ولا يملكون العلم، ولم يدرسوا التفسير، ولم يتعلموا من الشيوخ. لقد اختاروا أنفسهم ليكونوا أئمة، وليقوموا بالدعوة، وليعلموا وهم جاهلون. يمكنك أن تجدهم يفسرون، ويحددون ما هو محرم وما هو مباح، على الرغم من أنهم لم يتلقوا العلم من المصادر الموثوقة. هؤلاء هم الذين يضيفون إلى الدين ما ليس منه، بسبب فهمهم المحدود، ويستمدون الفتاوى والحجج للدعوة من الإنترنت. وهذا دليل كبير على طبيعة هذا الزمان، والجاهل ينسى أن الإنترنت مليء بالضلال وبعدد لا حصر له من الطوائف والطائفيين، وأن أي شخص يمكنه نشر أخطائه وتخميناته، ولن يتمكن الجاهل من تمييز ما فيه من خير أو شر.
اللهم، احفظنا من الانحرافات، سواء كانت ظاهرة أم خفية، احمنا من فتن الثروة والدين، احمنا من الجهل والجهلاء، افتح أعيننا وأنر قلوبنا، ساعد المظلومين في كل مكان واهزم الظالمين، فإنك قادر على ذلك. آمين
Español

