لا تيأسوا من رحمة الله

الحمد لله، الذي رحمته وعلمه يحيطان بكل شيء. أشهد أن لا إله إلا الله. الواحد الذي لا شبيه له. إنه الأرحم، الأكثر رحمة. ورحمته تسبق غضبه. وأشهد أن محمدًا هو رسوله وعبده، وقد أرسله الله رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين. والنبي ﷺ هو أرحم الناس بالمؤمنين، وأرحمهم، فليكن السلام والبركات على أسرته وعلى زوجاته، أمهات المؤمنين.

أيها المسلمون! اتقوا الله، وارحموا من في الأرض، فيرحمكم من في السماوات. واشكروا ربكم على نعمه، فيضاعف لكم. ولا تكونوا من الذين ييأسون من رحمة الرحمن الرحيم. قال الله عز وجل: «قل: يا عبادي الذين أفرطوا في الذنب على أنفسهم، لا تيأسوا من رحمة الله، إن الله يغفر كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم». هذه إحدى الآيات التي تبشر المؤمنين وتدعوهم إلى ألا ييأسوا ولا يفقدوا الثقة في رحمة الله عز وجل. أي: يا عبادي الذين أصررتم على الذنوب وانجرفتم وراء ما تمليه عليكم نفوسكم: الاستسلام للرغبات التي تقود إلى ارتكاب الذنوب والتجاوزات. فلا تيأسوا من رحمة الله بسبب كثرة الذنوب. إن الله يغفر جميع الذنوب لمن يتوبون إليه، ويسعون إلى المغفرة، ويثبتون على الاستقامة، ويتوبون توبة تامة عما ارتكبوه. وقد نُزلت هذه الآية لأن بعض الناس جاءوا إلى النبي ﷺ وقالوا له: «لقد ارتكبنا هذه الذنوب وتلك، فهل سيُغفر لنا؟». فأوحى الله: «إلا من تاب وآمن وعمل صالحًا». فقال بعضهم: «هذا شرط صارم، لعله لا نستطيع الوفاء به». فأوحى الله تعالى: «إن الله يغفر كل الذنوب. إنه هو الغفور الرحيم». يتفق المسلمون على أن هذه هي الآية القرآنية التي تحمل أكبر قدر من الأمل. فهي تبعث الأمل في نفوس المخطئين، وتهدئ قلوب أولئك الذين يتوبون توبة تامة عما ارتكبوه ويرجعون إلى الله. ومن يتأمل في الأمل والاطمئنان اللذين تحملهما هذه الآية، سيجد جوهر رحمة الله تجاه عباده. قال الله عز وجل: «رحمتي تسبق غضبي». وفي حديث آخر: «رحمتي تغلب غضبي». قال رسول الله ﷺ ذات يوم لأصحابه: «يرسم ربكم الابتسامة بسبب يأس عباده وقرب تغير أحوالهم». أي أي تغيير في الحالة من الخير إلى الأفضل، ومن الشر إلى الخير. فقال له أحد الصحابة: «يا رسول الله، هل يبتسم ربنا؟». فقال: «نعم». ثم قال: «إذن، لن نحرم من خير رب يبتسم». رواه أحمد وابن ماجة.

يا عباد الله، اليأس من رحمة الله ليس من صفات الصالحين، ولا من أخلاق المسلمين. مهما كانت ذنوبك كبيرة، فارجع إلى ربك توبة تامة، وكن ثابتًا، وندم على أخطائك الماضية، لأن الله عز وجل يسرّ كثيرًا بتوبة عبده. وفي الحديث:

إن فرح الله بتوبة عبده أعظم من فرح أي واحد منكم، الذي يكون في أرض قاحلة فهربت منه دابته حاملةً طعامه وماءه، فاستلقى، يائساً ويأساً من العثور عليها، في ظل شجرة، وبينما هو هناك، تظهر دابته مرة أخرى واقفة بجانبه، فيتمكن بسرعة من الإمساك بلجامها. وبدلاً من أن يقول: «يا الله، أنت ربي وأنا عبدك!»، يقول: «يا الله! أنت عبدي وأنا سيدي». وقد أخطأ بسبب الانفعال والفرح العارم الذي غمره.

فرح الله يفوق فرح هذا الرجل.

أيها المؤمنون! إن اليأس من رحمة الله وعدم الثقة بها من أشد الذنوب وأعظمها. يقول الله تعالى في كتابه: «إنما ييأس من رحمة الله إلا الكافرون». اليأس من رحمة الله يغلق باب الأمل ويبعد الراحة. ومن يعاني من هذا المرض يعيش في قلق وارتباك واضطراب مستمرين، ويدخل في حالة من الاكتئاب الشديد. إنه يعيش في قلق شديد دائم، فقط لأنه يجهل أن الله غفور لمن يتوبون ويؤمنون ويعملون الصالحات ويتبعون الهدى.

قال الله تعالى: «ومن ييأس من رحمة ربه إلا الضالون؟». اليأس هو أصل كل أنواع الشرور. إنه يعوق طريق من يعاني منه نحو النصر والنجاح والتفاؤل والأمل. قال ابن مسعود: «أكبر الذنوب هي: الشرك بالله، والاطمئنان من تدبير الله، واليأس من رحمة الله». ومن أسباب اليأس المبالغة والخوف المفرط. فإذا زاد الخوف عن حدّه، أدى إلى اليأس والشك والمرض. ومن أسباب اليأس الأخرى مصادقة البائسين واليائسين، والاستماع إليهم والاهتمام بأقوالهم. ومن أسباب اليأس أيضًا قلة الصبر. فكروا في نبينا يعقوب، عليه السلام. هل فقد الأمل في العثور على ابنه يوسف؟ بل تحلى بصبر جميل، فجمع الله بين يوسف ويعقوب بعد سنوات عديدة.

يا عباده! اعلموا أن هناك علاجاً لليأس والقنوط. أولاً: التعلق بالله والتشبث به، والإيمان الراسخ به. ثانياً: الدعاء، فالدعاء سلاح المؤمن. قال الرسول ﷺ: «لا يوجد مسلم على وجه الأرض يدعو الله إلا أن يستجيب له بما يطلبه، أو يقيه شرًا مماثلاً، ما دام دعاءه لا ينطوي على إثم أو قطع للرحم». فقال رجل: «إذن سنطلب أكثر»، فأجاب النبي ﷺ: «سيعطيكم الله أكثر»، أي إن الله يخبئ عند نفسه ما هو أكثر بكثير مما تطلبونه وترغبون فيه. يقول الله عز وجل: «لله خزائن السماوات والأرض، ولكن المنافقين لا يعلمون». ومن علاجات اليأس التفكير في الله تفاؤلاً. يا من أنت في كرب! لا تيأس من الراحة. لا تيأس إذا كنت متألمًا بسبب صحتك أو مالك أو أبنائك، وتأمل أن تنال قريبًا الراحة مما يؤلمك.

اللهم، خفف عنا كربنا، واحمنا من اليأس والقنوط، وامنحنا التوبة، وقبل أعمالنا الصالحة، وأطعمنا، فإنك خير الرازقين. ربنا، لا توبخنا إن نسينا أو أخطأنا، ولا تتركنا لأنفسنا ولو للحظة واحدة. اللهم، أبعد عنا كراهيتك وغضبك، وأبعد عنا الذل والشقاء، وكن لنا حامياً وناصراً، وامنح الراحة للمظلومين أينما كانوا. آمين.