الحمد لله، رب العالمين.
الحمد لله بحمد يليق بنعمه ويقابل وفرة عطاياه.
الحمد لله الذي هدانا إلى هذا، فلولا أن الله هدانا لما كنا قد هُدينا
الحمد لله، الذي بفضل نعمته تكتمل الأعمال الصالحة.
أشهد أن لا إله إلا الله، الواحد، لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وقد أرسله الله بالهدى ودين الحق، مبشراً ومنذراً بالساعة. وقد بلغ الرسالة، وأوفى بالأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في رفع كلمة الله حتى جاءه اليقين من ربه.
يا الله! بارك وسلم على نبينا الكريم، قدوتنا الأسمى، أكرم الناس، وعلى آله وأصحابه ومن يسير على نهجه حتى يوم القيامة.
روى ابن عباس (رضي الله عنهما): «كان رسول الله ﷺ أكرم الناس، وكان أكثر كرمًا في رمضان، عندما كان يلتقي بجبريل. كان يلتقي به كل ليلة في رمضان ويعلمه القرآن، وكان رسول الله ﷺ حينئذٍ أكثر كرماً في فعل الخير من الريح المرسلة».
يا الله! بارك في المحبوب النبيل، وامنحه السلام، وأغدق عليه البركات، فهو كان يعطي كمن لا يخشى الفقر.
الكرم صفة سامية. ونحن نتوقف اليوم عند هذه الفضيلة، عند هذه السمة النبيلة: الكرم، الذي تجلى تجلياً كاملاً في شخصية معلمنا، رسول الله ﷺ، وانتشر بين من ورثوا مثاله.
قال جابر بن عبد الله (رضي الله عنه): «لم يُسأل رسول الله ﷺ عن شيء فأجاب بـ«لا» قط». ولم يقل «لا» أبدًا لمن طلب منه شيئًا.
كان النبي ﷺ يعطي ويكرم، وقد علّمنا الكرم والسخاء والتميز في المعاملة والإيثار. وقد علّمنا أسمى الدرجات وأفضل القيم. وقد ورث هذه الصفات من جاءوا بعده ﷺ حتى يومنا هذا. والكريم هو من ورث عن رسول الله ﷺ.
ولذلك، فإن الكريم لا يخاف. فهو يتمتع بصفة استثنائية. قال الإمام الشافعي:
«إذا كانت عيوبك أمام الناس كثيرة وترغب في إخفائها، فاسترِ نفسك بالكرم، لأن كل عيب —كما يقال— يغطيه الكرم».
الكرم يغطي عيوب الناس، حتى لو انحرف أحدهم عن الطريق الصحيح أو كان يعاني من نقص ما. أما البخل، فيكشف عيوب الإنسان.
البخل يفضح عيوبك، بينما الكرم يخفيها ويجعلك مستحقاً لشفاعة خاصة وحماية استثنائية. قال النبي ﷺ:
«تغاضوا عن خطأ الكريم، فإن الله يمسك بيده كلما أعطى الآخرين الأفضلية».
كل عمل من أعمال العطاء يصبح شفاعة له.
المال الذي تحتفظ به في جيبك تحميه أنت؛ ولكن عندما تنفقه في سبيل الله، فإنه يصبح هو الذي يحميك. يمنحك الله حماية سماوية عندما تكون من الذين يعطون وينفقون ويكونون كرماء. ويزيدك الله: فكلما أعطيت أكثر، أعطاك أكثر. لا تظن أنك أنت الذي تعطي؛ والله، في الحقيقة أنت الذي تتلقى.
ذُبح خروف في بيت رسول الله ﷺ، فسأل عائشة: «ماذا بقي منه؟». فقالت: «لم يبقَ منها إلا الكتف». فقال: «إذن فقد بقي كل شيء، وما فُقد هو الكتف».
ما بقي في البيت هو ما خسرناه، لأنه كان لنا؛ أما ما أنفقناه في سبيل الله فهو ما كسبناه حقاً.
كان سيدنا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، من آل البيت، يشبه والده والنبي ﷺ في طباعه وأخلاقه. وكان كريماً وسخياً، ولم يرفض أبداً من طلب منه شيئاً. فقالوا له ذات مرة: «إنك لا ترفض طلب أحد أبدًا». فأجاب: «لقد اعتادني الله أن يعطيني، واعتدتُ أن أعطي عباده. وأخشى أن أقطع عادتي معهم، فيقطع الله عادته معي».
أنت تجسيد للكرم الإلهي في هذا العالم. كن كريماً ولا تخرج عن نغمة هذا التناغم الطبيعي. فالطبيعة تمنحك من خيراتها: الشمس تمنحك دفئها ونورها، والحيوانات تمنحك فرائها ولحمها وحليبها. الكون بأسره يتفاعل من خلال الكرم. كان الإمام أبو العباس السبتي، أحد أولياء مراكش، يقول: «الوجود يستجيب للكرم»، أي أن شعار الوجود هو الكرم.
فكيف يمكن للإنسان، سيد الخلق، أن يكون بخيلاً وضيق الأفق؟ فليحفظنا الله من دناءة البخل.
تبدأ الجشع عندما تكون بخيلاً مع الآخرين وكريماً مع نفسك فقط. ثم يتطور هذا المرض الأخلاقي حتى يصبح المرء بخيلاً حتى مع نفسه.
كان أحد الشعراء يتحدث عن «عيسى»، وهو رجل بخيل: «كان يدخر لنفسه، ولو استطاع لكان يتنفس من فتحة واحدة». وهذا بسبب الخوف من فقدان الدنيا. فالبخيل يصبح عبداً للمال ولهذا العالم.
يا الله! اجعل العالم بين أيدينا، لا في قلوبنا.
يا الله! لا تجعلنا عبيداً للمال، واجعلنا عبيداً لك، يا أكرم الكرام!
_____________________________________________
الحمد لله، والصلاة والسلام على أكرم الرسل، سيدنا محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه.
أحث نفسي وأنتم على تقوى الله، فإن بذلك نبلغه.
روى أبو هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله ﷺ قال:
«من آمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت. من آمن بالله واليوم الآخر، فليحترم جاره. ومن آمن بالله واليوم الآخر، فليحترم ضيفه». رواه البخاري ومسلم.
إن إكرام الضيف جزء من كمال الإمام. فإذا أردت إمامًا كاملاً، فلا بد من إكرام الضيف والكرم عليه. فهي من أعظم الأعمال التي تقرب من الله، وبلسم لأمراض القلب، مثل البخل والضيق. فالضيافة تربّي النفس وتقودك إلى الكرم، وتقربك من الله ومن عباده.
قال الرسول ﷺ: «من أعطى من طلب منه فهو قريب من الله، وقريب من الناس، وقريب من الجنة، وبعيد عن النار؛ أما البخيل فهو بعيد عن الله، وبعيد عن الناس، وبعيد عن الجنة، وقريب من النار».
إن إكرام الضيف لا يقتصر على تقديم الطعام له وتوديعه فحسب؛ بل هو عمل نبيل وسامي وتربوي وعبادة، مليء بالفوائد العظيمة. وجاء في الحديث:
«يأتي الضيف ومعه قوته، ويغادر وقد غفر الله لأهل البيت».
من أهم أهداف إكرام الضيف إضفاء البهجة على القلوب، وهذا يتطلب الكرم. ولا يقتصر الكرم على المال أو الطعام فحسب، بل يشمل أيضًا تكريس وقتك، وإظهار حسن الخلق، وخدمة الآخرين، وإدخال البهجة على قلوبهم. قال النبي ﷺ: «أحب الناس إلى الله هم الذين ينفعون الناس، وأحب الأعمال إلى الله هي، من بينها، أن تبعث البهجة في قلب المسلم».
إن كرم الضيافة لا يعود بالفائدة على الكريم وحده، بل يعود بالفائدة عليه وعلى أسرته وعلى الضيف، كما أنه يقوي المجتمع.
يا من تبحث عن الطريق إلى الله! كما تحدد لنفسك نصيباً يومياً من القرآن والذكر والعبادة، فحدد لنفسك أيضاً نصيباً يومياً من هذه الفضيلة: إكرام الضيف. افتح باب بيتك وأكرم ضيفك، فستكون مؤمناً حقيقياً.
نسأل الله أن يمنحنا صفة الكرم، وأن يجعل الآخرة، وليس الدنيا، شاغلنا الرئيسي، وأن يهدينا إلى العمل، ويخرجنا من الإهمال والكسل.
يا الله! تقبل منا، فأنت السميع العليم. ثبّت إيماننا، يا مغير القلوب، وثبّت قلوبنا على دينك. ساعدنا على ذكرك وشكرك وعبادتك على النحو الصحيح.
بارك جميع الحاضرين والغائبين، واغفر ذنوبنا، وغطِّ عيوبنا، وخفِّف عنّا مصاعبنا. امنح النصر للإسلام والمسلمين في كل مكان، وأذلِّ الظالمين.
وليتبارك الله في سيدنا محمد ﷺ، وفي آل بيته، وفي أصحابه.
آمين. الحمد لله، رب العالمين.
Español

