أود
أولاً أن أرحب بكم جميعاً في هذا المكان، وأقول لكم إنه على الرغم من أنكم رأيتموني مرات عديدة جالساً هنا، إلا أنه لا يزال يشكل لي شرفاً وامتيازاً حقيقيين أن أتمكن من توجيه بضع كلمات إليكم، وحتى لو لم تصدقوا ذلك، ما زلت أشعر بالتوتر عند القيام بذلك.
وهذه المرة أكثر من غيرها في الحقيقة، لأن الموضوع موضوع مثير للاهتمام للغاية، وليس ذلك فحسب، بل إنه موضوع يهمني شخصياً أيضاً، حيث إن العنوان العام لهذا الحدث، كما تعلمون جميعاً، هو: «التعرف على الإسلام من خلال أئمته».
أول ما أود أن أبدأ به، كما لا يمكن أن يكون الأمر غير ذلك، هو البداية، وهذه البداية هي الكلمة الأولى في العنوان، وهي: المعرفة. لن أتحدث عن فضل المعرفة، أو عن الأجر الذي تنطوي عليه، أو عن تفوق الشخص الملم بالمعرفة، لأن هذه الأمور قد ذُكرت بالفعل في أكثر من مناسبة على مدار هذه الأيام الثلاثة، ولذا لا أعتقد أن هناك داعياً لتكرار ذلك.
ما هو العلم الذي نشير إليه؟ إننا نشير إلى علم الإسلام، وعلم الدين، أو ما يُعرف تقليديًا في اللغة العربية بـ«علم الدين
»، وهو العلم الذي سنركز عليه. في المحاضرة الرائعة التي ألقاها الحاج عبد الغني أمس، تحدث إلينا، من بين أمور أخرى، عن ثلاثة مستويات لنقل المعرفة، وهي: «التعليم
» و«التربية
» و«الترقية
». أما أنا اليوم، بإذن من الله، فسأركز بشكل أساسي على المستوى الأول من هذه المستويات، وهو «التعليم
»، على الرغم من أن الكثير مما سأقوله يشمل أيضًا الفئات الأخرى.
هذا النوع من المعرفة له مستويات مختلفة، ورغم وجود المزيد منها، إلا أنه يمكننا تلخيصها وتجميعها في مستويين: المستوى الذي يُلزم كل مسلم، وهو «الواجب العيني
»، والذي يتضمن معرفة ما هو واجب عليك، مثل كيفية أداء الصلاة، مع معرفة الطهارة مسبقًا، وكيفية الصيام، ومعرفة الزكاة، في حال كان عليك دفعها، ومعرفة التجارة في حال كنت تاجرًا…
ويشمل هذا العلم أيضًا (وفي الواقع، لو اضطررنا إلى تصنيفه، لقلنا إن معرفة الله ورسله، أو بعبارة أخرى، معرفة ما نؤمن به) معرفة عقيدتنا
. كما يقول ابن عشير: «أول الواجب على من كُلف، مو…
»
وقد ذكرنا أن هذا النوع من المعرفة واجب فردي على كل مسلم ومسلمة، ويجب أن يكون هناك دائمًا في مجتمع المسلمين مجال يتيح نقل هذه المعرفة، ومن الجيد تشجيع الناس باستمرار على الالتحاق بهذه الدوائر حتى لا يضيع هذا العلم ويظل حيًا، حيث يُقال عادةً: «المجتمع الذي لا يوجد فيه العلم، هو مجتمع، مجموعة من الناس تحكمها شهواتها وأهوائها».
وفوق هذا «العلم
» يوجد «العلم
» (وتذكروا أننا نتحدث دائمًا عن معرفة الدين) الذي ليس واجبًا فرديًّا، بل واجبًا جماعيًّا، وهو «فريد كفائي
»، وتعريفه هو: «واجب على جماعة، أو مجموعة من الناس، إذا قام به بعض أفراد تلك الجماعة، زال الواجب عن الباقين».
وهؤلاء الأشخاص، الذين يتحملون على عاتقهم مسؤولية أن يكونوا من أصحاب هذه الفئة من المعرفة، هم ما نسميه عادةً «العلماء
»، وهو جمع «عالم
»، أي أهل العلم، الأشخاص الذين كرسوا أو يكرسون جزءًا كبيرًا من وقتهم، إن لم يكن حياتهم كلها، لاكتساب معرفة الدين.
ويندرج ضمن هذه الفئة الأئمة، وليس المقصود بالأئمة هنا أئمة المساجد، بل أعني الأئمة العظام في تاريخ الإسلام، سواء في الماضي أو الحاضر، وهم الذين حافظوا على شعلة الدين متقدة – وما زالوا يفعلون ذلك.
هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون، وهم بالفعل ورثة الأنبياء والرسل، لأنهم لم يتركوا في ميراثهم ثروات ولا ممتلكات، بل ما تركوه هو إرث، وهؤلاء الأئمة هم الذين حافظوا على الدين وحموه على مدى ما يقرب من ألف وخمسمائة عام من التاريخ، وأكرر مرة أخرى، ما زالوا يفعلون ذلك في أيامنا هذه.
أولئك الذين يتصدرون هذه الفئة، والذين يحتلون مرتبة أعلى، هم بالطبع الأئمة الأربعة الذين نعرفهم جميعًا، أئمة المذاهب
، وهم بالترتيب الزمني: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل.
فهم الذين سمحوا، من خلال تعاليمهم وأتباعهم، بأن تظل جوهر الدين ونقاوته حية، ولهذا يجب أن نكون ممتنين لهم امتنانًا عظيمًا. إن فهم هذا الأمر أمر حيوي، وهو أمر أساسي، بل وأكثر أهمية في عصرنا هذا، حيث يوجد للأسف هذا الاتجاه إلى الاستخفاف بهم وتقليل شأنهم والقول: «لا، لا، هذا لا قيمة له، لدينا القرآن والسنة، وما علينا سوى أن يتبع كل واحد منا فهمه وتفسيره الخاص للقرآن والسنة"، أو بعبارة فنية، علينا أن نبذل «اجتهادنا» الخاص.
ولن أخوض في الحديث عن ماهية «الاجتهاد» و«التقليد»، والشروط التي يجب أن يتوافر بها الشخص ليقوم بالاجتهاد، وهذا في الحقيقة أمر مثير للاهتمام للغاية وينبغي أن نعرفه جميعًا، لكن الوقت المتاح لي محدود ولن أتطرق إلى الحديث عنهما.
وإذا أردتم مني أن أكون صادقًا، فعندما أسمع هذا الشعار القائل بأن على كل فرد أن يبذل اجتهاده الخاص، أشعر بحزن عميق من جهة، ومن جهة أخرى أشعر بالغضب؛ أشعر بالحزن لأنني أقول: «ما الذي يحدث؟ ألم نفهم شيئًا على الإطلاق؟ ألا ندرك مدى حاجتنا إليهم؟ ألا نعي الدور الحيوي الذي لعبوه؟». وأشعر بالغضب لأنني أقول: «هل نحن متعجرفون وجاهلون إلى هذا الحد، ومتكبرون وناكرون للجميل إلى هذا الحد، لدرجة أننا سنرمي في سلة المهملات، سنلقي في البحر العمل الذي لا يُقدَّر بثمن الذي أنجزه هؤلاء الرجال النبلاء؟».
هذا أمر يحدث بالفعل، وهو أمر نراه للأسف في أيامنا هذه؛ وهو الاستخفاف الذي يتعرض له كبار الأئمة. لقد سمعت وقرأت أشياء مروعة عنهم، أشياء تُعد مؤلمة جدًّا حقًّا لمن يستطيع فهم أهمية هذا الأمر، ولن أذكرها هنا اليوم احترامًا لهم ولكم.
ولكن لنفترض أن أحداً ما جاء بهذه الأقوال، كما حدث لي من قبل، أناس يقولون إننا اليوم لسنا بحاجة إلى اتباع أئمة الماضي، وإن علينا إعادة تفسير القرآن والسنة، وإنه يجب إرساء مذهب
عالمي، وأن رجلاً يرتدي عمامة كبيرة جدًّا في قناة تلفزيونية معينة قال إنه لا داعي اليوم لاتباع أي
مذهب،
وأن الإمام مالك وأبو حنيفة، نعم، كانا عظيمين، لكن تعاليمهما لم تعد صالحة اليوم، وأنني قرأت حديثًا في «صحيح البخاري» يقول هذا، والإمام مالك لا يأخذه في الحسبان لأنه يتصرف بطريقة مختلفة، ولذلك لا يجب اتباعهم، وأن ما يجب فعله هو أن يقوم كل واحد منا بالاجتهاد الخاص به…
أولًا، إذا جاءك أحدهم بكل هذا الكلام، فإن أفضل ما يمكنك فعله هو تجاهله، وإعطاؤه إجابة سطحية نوعًا ما وتركه يذهب، لأنهم عادةً ما يكونون أشخاصًا متلهفين للظهور، ويريدون أن يكونوا شيئًا ما؛ لذا فإن أفضل شيء هو ذلك، التخلص منهم بأفضل طريقة ممكنة. ومع ذلك، إذا استمر في الرغبة في الجدال معك، فستصلان بالتأكيد إلى نقطة في المحادثة، أو في النقاش المحتدم، حيث يقول لك شيئًا عن القرآن أو السنة، فترد عليه بشيء عن الإمام مالك؛ وعندها سيقول: «آها، أنا أذكر الله ورسوله وأنت تذكر مالك، أو أبا القاسم، أو سحنون، أو خليل، أو أيًا كان من كبار الأئمة، فأنت بذلك تضعهم فوق الله ورسوله".
وإذا وصلت المحادثة إلى هذه النقطة، فعليك أن تستجمع قواك، وكما كان يقول والدي، تقول له: «اسمع يا عزيزي، عندما أقول: قال مالك – أو قال أيّاً كان من كبار الأئمة، لكن لنأخذ مثال الإمام مالك لأنه الأقرب إلينا – فإني عندما أقول «قال مالك»، فإن ما أعنيه في الحقيقة هو: «قال الإمام مالك بن أنس، أكرم وأعلم التابعين للتابعين، الذي يشير إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم
في حديثه المشهور عندما قال: «قربت الساعة التي يضرب فيها الناس إبط دوابهم وكبد إبلهم
(إشارة إلى الشروع في السفر) بحثًا عن العلم؛ ولن يجدوا عالماً أعلم من عالم المدينة»،
الذي قال عنه الإمام الشافعي: «عندما يُذكر العلماء، فإن مالك هو النجم»؛ الذي كان يبدو وكأنه معلق بين السماء والأرض عندما يُطلب منه إصدار فتوى
(تلك الكلمة الشائعة الاستخدام حتى اليوم) بسبب الالتزام والحرص الشديدين اللذين كانا يعنيان له ذلك، والذي كان يقول إن الدرع، أي حماية رجل العلم، هي أن يقول «لا أعلم»، الذي، كما قال الحاج عبد الغني أمس، لم يركب أي حيوان في مدينة المدينة المنورة، لأنه كان يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سار في تلك الشوارع، ولذلك لم يكن ليركب حيوانًا فيها، الذي كان يتوضأ
عند الحديث عن الحديث، عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يرتدي ملابسه بأناقة، ويمشط شعره، ويتعطر، ويأخذ الأمر بأقصى قدر ممكن من الجدية والاحترام، وعندما أقول إنه قال شيئًا، فإن ما أعنيه هو أنه قاله استنادًا إلى فهمه العميق لكلمة الله، أو لكلام رسول الله، صلى الله عليه وسلم
، أو على أقوال وأفعال من شهدوا بأعينهم وأفعالهم أقوال وأفعال رسول الله، أو على التابعين
الذين كانوا يفهمون بوضوح كلام الله وكلام رسوله، وقد اقتدوا بما رأوه من أفعال أصحاب رسول الله نفسه… فهذا هو الأمر.
هذا هو بالضبط ما أعنيه عندما أقول: «قال الإمام مالك». ثم قل له، إن كان لا يزال مصممًا على الجدال: «وأنت تقول لي إنه من الأفضل لي أن أترك كل هذا وأتبع ما يقوله الله ورسوله، أي أن أعتمد على فهمي الخاص المحدود، في حين أنني عاجز عن الفهم الكامل للقرآن، وعاجز عن استيعاب علوم الحديث، دون أن أعرف (سواء في القرآن أو في الحديث) ما هو المنسوخ وما هو الناسخ، وما هو المطلق والنسبي، وما هو العام والخاص، وما هو المشكوك فيه وما هو الواضح، وما هو الظاهر وما هو النصي، وما هي أسباب النزول، دون أن يكون لدي معرفة عميقة باللغة العربية…»
ثم يواصل قائلاً له (تذكر أنه هو من بدأ النقاش): «ففكر بنفسك ما هو الأفضل: أن تتبع قول شخص ما، الذي اتبعه عن معلمه، وهذا عن معلمه، حتى تصل إلى أحد كبار الأئمة، المعترف بهم في شرق الأرض وغربها كأئمة صحيحين، أم قول جاهل يقول: «قال الله ورسوله…».
وإذا ظل بعد ذلك راغبًا في الجدال، وما زال مصممًا على رأيه، فيمكنك أن تقول له: «حسنًا، أنت تدعو إلى أن يقوم كل فرد بالاجتهاد بنفسه، لا بأس، هل تعرف ما هي الشروط المسبقة، أو المعارف أو المتطلبات الأساسية التي يجب معرفتها حتى يتسنى إجراء الاجتهاد؟". وهذه الشروط، وفقًا لعلماء
أصول الفقه، هي 13 شرطًا، وهي كما يلي:
شروط الاجتهاد:
- أن يكون مسلماً.
- أن يكون مكلفًا (مكلفًا وفقًا للشريعة الإسلامية، ونحن نعرف ما يعنيه ذلك).
- أن يكون الشخص نزيهًا أخلاقيًّا («عادل») وأن يطبق هذه الأخلاق في جميع جوانب حياته.
- أن يكون على دراية بالظروف الاجتماعية للمكان والزمن الذي يعيش فيه. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن ما تعنيه هو أن الشخص الذي يعيش في مكان معين لا يمكنه أن يجتهد نيابة عن شخص آخر يعيش في مكان آخر من العالم وتختلف ظروفه اختلافًا تامًا.
- أن يكون فطناً وذا ذكاء عقلي وفكري حاد.
- إتقان اللغة العربية إتقانًا تامًا. وهذا أمر صعب، لأنه يتطلب معرفة قواعد النحو، وعلم المعجم، والبلاغة، وعلم الصرف، وعلم الصرف.
- معرفة القرآن الكريم. وهنا يصبح الأمر جادًا أيضًا، لأن هذا يتطلب معرفة الأسباب المختلفة لنزول الآيات التي تتناول الشريعة والأحكام؛ معرفة الآيات المنسوخة والآيات الناسخة؛ ومعرفة كل آية من الآيات التي تتناول الأحكام (حوالي 500 آية تقريبًا)؛ معرفة تفسيرات القرآن التي قدمها النبي –صلى الله عليه وسلم–، والصحابة، والتابعون، وغيرهم من علماء التفسير؛ ومعرفة القراءات المختلفة للقرآن والآثار الفقهية التي قد تنشأ عن اختلافاتها.
- معرفة السنة. وهذا يتضمن معرفة كل الأحاديث التي تتناول الشريعة؛ ومعرفة الأحاديث الناسخة والمنسوخة؛ ومعرفة روات الأحاديث؛ معرفة الأحاديث التي تحدد أو تقيد تطبيق أحاديث أخرى من الناحية الفقهية؛ ومعرفة علم «أصول الحديث» الذي يتناول مستويات قوة إسناد الأحاديث المختلفة، حيث توجد الأحاديث الصحيحة، والحسنة، والضعيفة، وتلك التي قد تكون صحيحة أو حسنة أو ضعيفة، ثم هناك المتصل، والمرفوع، والمسنود، والموقوف، والمقطوع، وما إلى ذلك. هناك أنواع عديدة من الأحاديث، ويجب عليك معرفة جميع هذه الفئات، ومعرفة أي من الأحاديث التي تتناول الشريعة يندرج تحت أي فئة.
- معرفة أقوال الصحابة والتحقق من سلاسل إسنادها، وهنا يحدث الأمر نفسه تقريبًا كما هو الحال مع الحديث، حيث توجد درجات مختلفة عديدة.
- معرفة النقاط التي يوجد فيها إجماع في الشريعة وتلك التي لا يوجد فيها إجماع، ونقصد بالإجماع «الإجماع» الذي يمكننا أيضًا أن نتحدث عنه باستفاضة.
- معرفة قواعد القياس وتطبيقه الصحيح، وهو «القياس» الشهير، الذي ينطوي على مواضيع كثيرة يمكن مناقشتها، وقد تحدثنا عنه قليلاً الأسبوع الماضي
- إتقان علم أصول الفقه.
- معرفة مقاصد الشريعة وتطبيقها على النحو الأمثل، بهدف تطبيق الشريعة بموازنة بين نصها وروحها، دون تشدد يؤدي إلى العبثية والصعوبة غير الضرورية والظلم.
كما تعرف الجوانب المختلفة التي يجب أخذها في الاعتبار عند إصدار الحكم، مثل: ممارسة المدينة المنورة، ورأي أحد الصحابة، والمصلحة العامة (المصلحة المرسلة
)، سد الذرائع، والاستحسان، والشرائع السماوية التي سبقت الشريعة، وافتراض الاستمرارية، والعرف
. هل تعرف ما الذي أتحدث عنه؟
هل تدرك، على سبيل المثال، أن الإمام العظيم ابن سيرين، عندما يُسأل عن شيء من المحرم
أو المباح
، يتغير لون وجهه، إلى درجة أنه يتحول بشكل يبدو وكأنه شخص آخر؛ أو الإمام أحمد الذي لم يكن يؤكد شيئًا بنسبة مائة بالمائة أبدًا عندما يتعلق الأمر بالحلال
أو المحرم
، إلا إذا كان الأمر واضحًا وجليًّا، بل كان يقول: «في رأيي»، «أعتقد»، «آمل أن»، «ما أفضله…» «وأنت تأتي الآن لتقول لي أن أنسى كل ذلك وأصدر أحكامي وقراراتي بنفسي، بالرجوع إلى القرآن والسنة؟».
وإذا استمر بعد كل هذا في الرغبة في الجدال، ولم يستجب للعقل، وواصل النقاش بنفس الحجج، فعندئذ تقول له «السلام عليكم»
وتدير ظهرك، فهو شخص قاسي القلب ومختوم العقل، فلا فائدة من البقاء بجانبه، وللتورط في نقاش لا يؤدي إلى شيء، فإن أفضل ما يمكنك فعله هو أن تدير ظهرك وتذهب من حيث أتيت.
كل ما ذكرته للتو، أعتبر أنه من المهم جدًّا أن ندركه، خاصة في هذه الأوقات العصيبة التي نعيشها فيما يتعلق بديننا، لكنني رأيت أنه لا بد من قوله، فبرغم أنني متأكد من أن الكثيرين منكم يعرفون ذلك بالفعل، فإن سماعه لا يضر أبدًا، لأنه يعزز هويتنا ويقوي أسسنا، فهذه هي أسسنا حقًّا، ومن المهم جدًّا أن تكون الأسس واضحة؛ لأننا عندما تكون الأسس والركائز واضحة وثابتة، يمكننا أن نبني عليها صرحًا، وأي صرح أروع من صرح الإسلام.
والآن، هل يعني كل ما قلناه هذا أن الإسلام، أو معرفة الإسلام، أو معرفة الفقه — وهو ما نركز عليه بشكل أساسي، والتعليم
الذي ذكرناه في البداية — هو شيء جامد راسخ في الماضي ولا يسمح لنا بالتطور والعيش في العصر الحالي؟ لا، بالطبع لا، بالطبع ليس كذلك.
وهذه إحدى أكبر مشكلات عصرنا الحالي، وهي الرغبة في إضفاء الطابع الهيكلي على الدين، أو الرغبة في تصنيف معرفة ديننا. ويمكن أن نصل إلى ذلك — وآمل أن تفهموا جيدًا العبارة التي سأقولها — إذا وقعنا في التطرف المتمثل في التمسك الصارم بالشرائع، دون أي معرفة بالسبب وجوهر المذهب
.
علينا أن نفهم أن معرفة الدين ليست شيئًا جامدًا، وأن ما نقله إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وما نقله إلينا الأئمة بعده، في أصله — على الرغم من أنه تحول للأسف في كثير من الحالات إلى ذلك لاحقًا — ليس سلسلة من الأحكام الثابتة والمنظمة؛ فالمعرفة التي نقلها إلينا الرسول محمد، والتي تأتي من الله سبحانه وتعالى،
هي طريق، أو نمط، نحقق من خلاله غايتنا وهدفنا في هذه الحياة، وهو ليس سوى عبادة الله، أو معرفة الله، وهو ما ينطوي بالطبع، ودون أدنى شك، على الطمأنينة والسكينة والسعادة في هذه الحياة، مما يؤدي بشكل طبيعي إلى السعادة في الآخرة.
لماذا أُرسل الرسول محمد، وبقية الأنبياء والمرسلين؟ ما هي الأسباب التي دعت إلى إرسالهم؟ هناك سببان رئيسيان، وهما ما ذكرناه للتو: «الهداية إلى معرفة الخالق
»، أي إرشادنا إلى معرفة الله، وإرساء الهداية التي تقود إلى معرفة الله، ورسم طريق للسعادة، سواء في هذه الحياة أو في الآخرة، مع إعطاء الأفضلية بالطبع للآخرة.
يمكننا إضافة أسباب أخرى، لكن هذين السببين هما الأساسيان أو الأكثر أهمية؛ وعندما يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) إن شيئًا ما حرام
، أو أن شيئًا آخر حلال
، أو عندما يتحلى بصفة ما أو يتصرف بطريقة معينة، فإنه يفعل ذلك أو يقوله لكي نطبقه نحن، لأننا بتطبيقها في حياتنا سنكون قد حققنا هذين الهدفين، وسنسير على الطريق الذي يؤدي إلى معرفة الله، وسنسلك المسار الذي سيمنحنا الطمأنينة والسعادة اللازمتين للعيش في هذه الحياة، مما سيمنحنا مكانة رفيعة في الآخرة.
وبالتالي، إن دور الأئمة في نقل العلم، أو دور أهل العلم، أولئك الذين هم ورثة الأنبياء والرسل، بدءًا من الأئمة العظام في الماضي، له جانبان، وكلاهما مترابطان تمامًا ويتفاعلان مع بعضهما البعض في كل لحظة.
فمن ناحية، هناك معرفة الحلال
والحرام، وهي المعرفة التي ترشدنا إلى الطريق الصحيح، لأن ذلك أمر بالغ الأهمية؛ فلا يمكننا بلوغ معرفة الله أو عبادته على النحو الصحيح، ولا السعادة في هذه الحياة وفي الآخرة إلا من خلال هذا الطريق، ولذلك كان الإمام اليونيد يقول: «لا معرفة بالله إلا باتباع آثار الرسول محمد».
هذه إحدى وظائف الأئمة، وهي ضرورية تمامًا، فلا ينبغي أن ننساها أبدًا. إنها حيوية بالنسبة لنا، ولا يجب علينا، ولا يمكننا، أن نستخف بها أو ننساها. أما الوظيفة الأخرى، وهذا ما يميز الأئمة العظام عن غيرهم، ولذلك فهي الأكثر تعقيدًا، فهي نقل جوهر الدين ونوره وروحه وقلبه، وتطبيقه في العصر الذي نعيش فيه.
مثال على «الأتحياتو» و«السجدة»
«التحية لله، والحسنات لله، والكلمات الطيبة والدعاء لله. السلام عليك يا نبي، ورحمة الله وبركاته! السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين! أشهد أن لا إله إلا الله، الواحد لا شريك له؛ وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله».
إنه نقل هذا النمط من الحياة، وهذا النموذج الذي تحدثنا عنه سابقًا، وهو موجه للبشرية جمعاء، مع تغيرات مجتمعاتها وأفكارها، ومع أيديولوجياتها وخصائصها، ومع تقدمها وتراجعها. إنه القدرة على كسر حواجز الزمان والمكان من أجل تطبيق دين الإسلام بشكل صحيح. إنه القدرة على التخلص من الجمود، ومعرفة الحكمة الكامنة وراء الأحكام وأسبابها لتطبيقها في عالمك المعاصر.
إنه امتلاك القدرة على فهم العالم الذي تعيش فيه، والمجتمع الذي تنتمي إليه؛ إنه فهم المجتمع من جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ إنه القدرة على استيعاب وتجسيد ما نقله إلينا شيخنا على مدى سنوات؛ إنه القدرة على استخدام المكونات الأصلية، بالمعرفة الأصلية، كما قال الشيخ عبد الحق في هذا المكان نفسه منذ بعض الوقت، طهي طبق إسلامي جديد، لا إعادة تسخين الطبق المعتاد مرارًا وتكرارًا إلى درجة أنه يفقد مذاقه؛ بل باستخدام تلك المكونات الأصلية نفسها، ولكن باستخدام أدوات ودقائق العصر والمكان الذي تعيش فيه، أن تكون لديك القدرة على طهيه. علينا أن نمتلك الشيء في ذاته، لا مجرد تقليد. ولن يجدي أي شيء آخر.
ولا شك – وهذه كلمات الشيخ عبد الحق – في أن هذه المهمة لا تصلح للجبناء. فهي تتطلب شجاعة كبيرة، وتفانيًا تامًا، وثقة كاملة بالله.
هذا هو دور الأئمة، والمعلمين، والشيوخ؛ هذه هي وظيفة أهل العلم؛ هذه هي المسؤولية الملقاة على عاتق ورثة الأنبياء والرسل في عصرنا هذا، وهي إرشاد الناس إلى ما كان الأنبياء يرشدونهم إليه، بالتسامح كما كانوا يفعلون، وبالرحمة كما كانوا يفعلون، وبالحكمة كما كانوا يفعلون، وهي حقًا ليست مسؤولية سهلة، وليست مهمة سهلة، ولكن بالشجاعة والتفاني والثقة، فأنا مقتنع تمامًا بأن الله، بقدرته وعدله، سيجعل ذلك ممكنًا. وأدعو الله أن يكون الأمر كذلك.
Español

