الفعل هو جوهر المعرفة

أيها المسلمون، يقول الله تعالى: «قل: هل الذين لديهم علم والذين ليس لديهم علم متساوون؟»

المعرفة هي الوسيلة التي نستطيع بها فهم الوجود بكل أبعاده، ونحقق السلوك السليم في جميع شؤوننا. وأفضل معرفة هي الأكثر فائدة. والمعرفة الأكثر فائدة هي تلك التي تقربك أكثر إلى الله وإلى ما يرضيه. يقول الله تعالى: «اعلم أنه لا إله إلا الله».

فبالمعرفة يتحقق اليقين بالتوحيد. ولهذا السبب يحتل العلم مكانة بالغة الأهمية في ديننا، ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على السعي وراءه واكتسابه، ولهذا يُحترم ويُكرم أهل العلم الذين ينقلون التعاليم النبوية، فإن الله يرفعهم.  يقول الله تعالى: «سيُرتقي الله في الدرجات منكم الذين آمنوا والذين أُوتوا العلم».

إلا أن العلم ليس مجرد معلومات. وفي تفسير هذه الآية يقول القرطبي: «العالمون هم الذين يستفيدون من علمهم ويطبقونه. أما الذين لا يستفيدون من علمهم ولا يطبقونه، فهم في مرتبة من لا علم لهم».

قال الإمام مالك: «العلم نور يضعه الله في قلب من يشاء؛ وليس معرفة عدد كبير من الأحاديث».

لا يتعلق الأمر بالتعلم من الكتب، ولا بكمية الأحاديث التي تُحفظ، ولا بكمية المعلومات التي تُستوعب، ولا بعدد الأشخاص الذين يلتقي بهم المرء. قد تكون هذه وسائل وأساليب لاكتساب العلم، لكنها ليست «علمًا» في حد ذاتها. وقال إبراهيم الجواس، مثل الإمام مالك: «العلم ليس مجرد مسألة معرفة عدد كبير من الأحاديث». هناك الكثير من العلماء في هذا العالم، وأشخاص يحفظون شيئًا بمجرد قراءته مرة واحدة، وهناك أيضًا العديد من الباحثين الشرقيين غير المسلمين الذين يبدو أنهم يعرفون عن قوانين الإسلام أكثر مما يعرفه الكثير من المسلمين، لكن هذا الإلمام لا يجعلهم «علماء». إنهم مجرد مستودعات للمعلومات. والسؤال هو: كيف تتحول المعلومات إلى معرفة؟ ويواصل إبراهيم الجواس قائلاً: «العالم هو الذي يتبع ما يعرفه، ويطبقه، ويتمسك بالسنة، حتى لو كان ما يعرفه قليلاً». بعبارة أخرى، من يعرف آية واحدة، أو جانبًا واحدًا من الدين ويطبقه، ومن يتمكن من تطبيق تعاليم النبي الواحدة، فإنه يحظى بهذه الدرجة.

أهل العلم يُعلِّمون بقدوتهم بقدر ما يُعلِّمون بكلماتهم. فالمعرفة الحقيقية تتجلى في أفعال الإنسان، لا في كلماته فحسب. فالكلمات وحدها لا تكفي، وكلما تحدثنا عن الأمور دون أن ننفذها أو دون اتخاذ الإجراءات اللازمة لتطبيقها، زاد الخطر الذي نواجهه، لأن الكلمات تضعف النية وتشتت الهمة إن لم تصاحبها الأفعال. يقول الله تعالى في سورة الصف: «يا أيها الذين آمنوا! لماذا تقولون ما لا تفعلون؟ إن قولكم ما لا تفعلون أمر خطير عند الله". وقال عبد الله بن المعتز: "علم المنافق يكمن في كلامه، أما علم المؤمن فيكمن في أفعاله".

إن أفعالنا هي التي ستجلب لنا النجاح، لا ما نعرفه. يقول الله تعالى: «ادخلوا الجنة بما عملتم».

المؤمن يتعلم ليعرف مكانته ومكانة قومه في الدنيا، وليعرف الطرق التي يجب أن يسلكها لإرضاء خالقه، وتلك التي يجب أن يتجنبها لئلا يغضب خالقه. العلم هو الدرع الذي يحمي الإنسان نفسه به، لكن الدرع لا يفيد إلا إذا استُخدم. واستخدام هذا الدرع يُسمى «التقوى». وكلمة «التقوى» مشتقة من الجذر «ويقاة»، أي الحماية. يقول الله تعالى: «واحفظوا أنفسكم وأهليكم من النار». وتُعرَّف التقوى من حيث الفعل، بأن نطيع الله في ما أمر به ونبتعد عما نهى عنه.

كلنا هنا نملك بعض المعرفة، فكلنا نعرف شيئًا مما أمر الله به، وعلينا أن نطبق ما نعرفه وألا نعتبر قواعد الدين مجرد مسائل تثير الفضول الفكري. فالدين عملي وليس أكاديميًا.

إن معرفة شيء ما تنطوي على مسؤولية. ويمثل سيدنا عمر، رضي الله عنه، مثالاً عظيماً على ذلك، فقد كان حريصاً للغاية على تطبيق ما يعرفه، لدرجة أنه استغرق اثني عشر عاماً في حفظ سورة البقرة، حريصاً على تطبيق كل جانب يتعلمه قبل الانتقال إلى التالي.

قال النبي لقمان لابنه: «يا بني، لا تتعلم ما لا تعرفه حتى تعمل بما تعرفه». هذه نصيحة في عصر المعلومات هذا، يجدر بنا جميعًا أن ننتبه إليها. فالمعرفة، إن لم تُطبق، تضر صاحبها. قال النبي: «إذا كان للعالم علمٌ ولم يعمل به، فهو كالمصباح الذي ينير للآخرين ويحترق بنفسه».

نسأل الله أن يمنحنا القوة لتطبيق كل ما أنعم علينا من علم، وأن يحمينا من العلم الذي لا نعمل به.

 ********

يقول الله تعالى في كتابه: «وَالْلَّذِينَ جَاهَدُوا فِي سَبِيلِنَّا فَنُهْدِيهِمْ سَبِيلَنَا. إِنَّ اللهَ مَعَ الْمُحْسِنِينَ». ويذكر القرطبي في تفسيره لهذه الآية أن ابن عباس قال: «هذه الآية تتحدث عن أولئك الذين يعملون بما يعلمون. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل بما يعلم، علّمه الله ما لا يعلم». ويذكر القرطبي أيضًا أن عمر بن عبد العزيز قال: «إن عدم حصولنا على معرفة ما نجهله يرجع فقط إلى قصورنا في العمل بما نعلم. لو عملنا وفقًا لجزء مما نعلم، لمنحنا الله من العلم ما لا تطيق أجسادنا حمله. يقول الله تعالى: «اتقوا الله يمنحكم الله علماً»."

في الواقع، لقد سهّل الله هذا الأمر علينا. كل ما يُطلب منا هو المضي قدمًا خطوةً خطوةً، والقيام بما نستطيعه. يقول الله تعالى: «لا يُكلف الله نفسًا إلا بقدر طاقتها». عندما ننظر إلى العالم ونرى الحالة التي نحن عليها، ونرى مدى بعدنا عن عظمة الدين الراسخ تمامًا، قد يكون ذلك محيرًا ومثبطًا للهمم. لكن الله رحيم، والمؤمن لا ييأس أبدًا من رحمته ويثق به. مسؤوليتنا هي اتخاذ الخطوات اللازمة في هذا الاتجاه، مهما كانت صغيرة، وتطبيق ما نعرفه في حدود قدرتنا، وسيمنحنا الله التوفيق والعون. يقول سبحانه: «وإن تنصرو الله ينصركم ويثبت أقدامكم». أي إن ساعدتم الرسول والدين. لا نحتاج إلى أحد سوى الله. الله كافٍ لنا، وهو خير الوصي.

نسأل الله أن يمنحنا الشغف والمعرفة والتمييز لتطبيق العلم الذي أنعم به علينا. نسأل الله أن يهدينا إلى ما يرضيه. نسأل الله أن يغفر ذنوبنا ويقبل أعمالنا الصالحة وأعمال جميع المسلمين.