
أيها المسلمون، إن الإسلام، كما ذكرنا في مناسبات سابقة، هو دين ذو بُعد اجتماعي كبير، حيث أن جزءًا كبيرًا منه يتناول سلوكنا وكيفية تعاملنا مع الآخرين. وكلما كانت هذه الأشخاص أقرب إلينا، سواء من حيث القرابة أو من الناحية المادية، زاد تركيز الدين على الحفاظ على الروابط والتصرف معهم بشكل حسن.
تعد العلاقة التي تربطنا بوالدينا من أهم العلاقات التي تربط أيًا منا بالآخرين، فهما من اختارهما الله ليجلبانا إلى هذا العالم ويربيانا. ولهذا السبب، يولي الدين اهتمامًا خاصًّا بـ«البر»، أي معاملة الوالدين معاملة حسنة ورحيمة. لطالما كان هذا عنصراً أساسياً في أي مجتمع سليم، لكن هذه القيم تتآكل اليوم بسبب عبادة الفرد، التي تجعل «الحقوق» الفردية – أو ربما ينبغي أن نقول «نزوات» – تغلب على أي شاغل آخر. تنتشر اليوم دور رعاية المسنين، حيث يعيش الكثير من كبار السن، وفي بعض الحالات يكون اتصالهم بأسرهم محدوداً للغاية، كما يوجد العديد من كبار السن الذين يعيشون بمفردهم. مؤخرًا، بُثّ برنامج تلفزيوني عن الوحدة التي يعاني منها كبار السن، وسلط الضوء على المشكلة التي يمثلها هذا الوضع. وعند التفكير في هذا الأمر، يجب أن نأخذ في الاعتبار أنه، في معظم الحالات، لا يرجع السبب إلى سوء نية من جانب أولئك الذين يهملون هذه الروابط، بل إلى عدم القدرة على تحمل هذه المسؤولية في سياق اجتماعي يشجع على قلة النضج والفردية، بالإضافة إلى الضغوط الاقتصادية والمهنية غير الطبيعية في مجتمع يحركه الرأسمالية، حيث يُقيَّم الأفراد على أساس إنتاجيتهم وفائدتهم.
ظهر في البرنامج خبير في علم الاجتماع اقترح أن الحل يكمن في أن توفر الدولة عمالاً ومرافقين للأشخاص الذين يعيشون بمفردهم. بمعنى آخر، بدلاً من تعزيز ما هو طبيعي، أي تقوية الروابط الأسرية وتكوين نوى أسرية موسعة تخلق قوة اجتماعية وتكون بذلك قادرة على تحمل المسؤوليات، سواء الشخصية أو الاجتماعية، وتولي رعاية جميع أفراد الأسرة، من كبار السن إلى الصغار، تفضل هذه العقلية تفويض وظيفة أساسية كهذه إلى جهاز الدولة.
الحمد لله أننا، كمسلمين، وفي الأمة بشكل عام، ظللنا حتى الآن في الغالب في مأمن من مثل هذه الممارسات، حيث ما زلنا ندرك ونقدر أهمية الأسرة في حياتنا ونحافظ على علاقات وثيقة معها. لكن علينا أن نكون يقظين وأن نولي هذا الأمر عناية فائقة، فحتى بين المسلمين بدأ عبادة الفرد تتسلل، ولذلك من الضروري والمفيد أن نذكر أنفسنا بما قاله الله ورسوله بشأن بر الوالدين – معاملة الوالدين معاملة حسنة.
يعلم كل مسلم أن الله خلقه لعبادته، لكن يجب أن ندرك أن الله يربط العبادة به مباشرةً بالإحسان إلى الوالدين في العديد من آيات القرآن الكريم. يقول الله تعالى في سورة النساء:
«اعبدوا الله لا تشركوا به شيئًا، وأحسنوا إلى والديكم» (4:36). ويقول في سورة الأنعام:
«قل: تعالوا لأبيّن لكم ما حرمه عليكم ربكم: ألا تشركوا به شيئًا، وأن تحسنوا إلى والديكم». (6:151)
ويقول في سورة الإسراء:
«أمر ربك أن لا تعبدوا إلا إياه، وأن تحسنوا إلى الوالدين. فإن بلغ أحدهما أو كلاهما الشيخوخة عندك، فلا تقل لهما «آه» ولا تنفرهما، بل كلمهما بكلام طيب». (17:23)
لذلك، في العديد من الآيات في القرآن الكريم، لا يفصل بين معاملة الوالدين معاملة حسنة وعبادة الخالق سوى حرف «واو» واحد، أي «و» واحدة. ويشير هذا الارتباط المباشر إلى وجود علاقة مباشرة بين حقوق الله علينا جميعًا وحقوق والديْنا علينا: فمن خلالهما أتى بنا الله إلى هذا العالم، ومن خلالهما يظهر الله لنا رحمته واهتمامه. فهم الوسيلة التي تصلنا من خلالها بركات الله، وقد تحملوا الكثير من أجلنا. يقول الله تعالى:
«وقُلْ: يا ربي! ارحمهم، كما ربيوني صغارًا». (17:25) ويقول الله تعالى:
«لقد أوصينا الإنسان بأن يحسن معاملة والديه. فقد حملته أمه في بطنها تعباً تلو تعب». (31:14)
*********
أيها المسلمون، إننا مدينون لوالدينا بدين لا يمكننا سداده أبدًا. ومن كان ناكرًا لجميلهما فهو ناكر لجميل ربه. بل إن بعض العلماء ذهبوا إلى القول بأن قبول شكر الإنسان لله يتوقف على شكره لوالديه، قائلين: «هناك ثلاث آيات في القرآن الكريم يتوقف فيها قبول أحد الأمور المذكورة في الآية على تحقيق الأمر الآخر المذكور في الآية أولاً. الأول هو قول الله تعالى:
«أقيموا الصلاة، وأدوا الزكاة». (2:43) فإذا صلى أحد ولم يدفع الزكاة، فإن صلاته لا تُقبل. والثاني هو قول الله تعالى:
«وأطيعوا الله، وأطيعوا الرسول». (5:92) فإذا أطاع أحد الله ولم يطع الرسول، فإن طاعته لله لا تُقبل. والثالث هو قول الله تعالى:
«كن شاكراً لي ولوالديك». (31:14) «إذا شكر أحد الله ولم يكن شاكراً لوالديه، فإن شكره لا يُقبل».
وإذا لم يكن هذا كافياً بحد ذاته لإثبات أهمية حسن المعاملة مع الوالدين، فهناك أيضاً العديد من الأحاديث النبوية عن رسول الله.
يروي ابن مسعود أنه سأل رسول الله عن أفضل العمل، أو العمل الذي يحبه الله أكثر، حسب رواية أخرى. فأجاب:
«أداء الصلاة في أوقاتها، وإحسان معاملة الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله». ولذلك، اعتبر النبي أن إحسان معاملة الوالدين أفضل من الجهاد. وهذا ما يؤكده حديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، الذي يروي أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليطلب الإذن بالجهاد، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: «هل والداك على قيد الحياة؟» وعندما أجاب الرجل بالنعم، قال النبي: «إذن جهادك معهما». وبعبارة أخرى: «جهادك هو رعايتهما».
البر بالوالدين لا يتوقف بعد وفاتهما. روى السعيدي أنه بينما كانوا جالسين مع رسول الله، جاء إليه رجل من بني سلامة وقال له: «يا رسول الله، هل هناك أي نوع من البر يمكنني أن أفعله لوالديّ بعد وفاتهما؟». فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، يمكنك أن تدعو لهما، وتستغفر لهما، وتفي بعقودهما التي لم تُنفذ، وتُحافظ على الصلة بمن لا صلة لك بهم إلا من خلالهما، وتُكرم أصدقاءهما».
وأخيرًا، يجب أن نعلم أن البر بالوالدين لا يتوقف على كونهما مسلمين؛ بل يجب علينا أن نرافقهم، ونعاملهم بمودة واحترام، ونطيعهم، إلا إذا حاولا منعنا من عبادة الله. يقول الله تعالى:
«ولكن إن أصروا على أن تشرك بي شيئًا ليس لديك علم به، فلا تطعهم. بل رافقهم في هذه الدنيا على النحو اللائق». (31:15)
نسأل الله أن يبارك آباءنا وأمهاتنا، ويرحمهم، ويغفر لهم. ونسأل الله أن يثيب جميع الذين يبذلون الجهد في بر آبائهم وأمهاتهم.
Español

