أيها المسلمون، انظروا إلى ما حولكم وإلى داخل أنفسكم. تأملوا في المكان الذي أنتم فيه وفي ما تمتلكونه، وستدركون أننا محظوظون ومباركون بشكل استثنائي. إن الله يمنحنا بلا انقطاع، ونحن نتلقى هبة تلو الأخرى. هناك طعام نأكله، وملابس تغطي عورتنا وتحمينا من العوامل الجوية، وأسقف فوق رؤوسنا، وأصدقاء ورفاق يبددون وحدتنا، ونور نرى به، وظلام يساعدنا على الراحة والنوم، وهواء نتنفسه وأطفال يملأون قلوبنا بالفرح. وكل ذلك يأتي من مصدر واحد، من الذي خلقنا. كل ما نملكه، سواء كان داخلنا نفسنا أو في العالم من حولنا، يأتي منه. النعم أكثر من أن تُحصى. يقول الله تعالى:
«وإذا حاولتم عدّ نعم الله فلن تستطيعوا عدها». (16:18) إنها تأتي من كل جانب، من حيث نتوقع ومن حيث لا نتوقع، سواء طلبناها أم لم نطلبها، نعم ندركها ونعم لا ندركها. يقول الله تعالى:
«أخرجكم الله من أرحام أمهاتكم وأنتم لا تعلمون شيئًا. وأعطاكم السمع والبصر و قلبًا لتشكروا». (16:78) ويقول أيضًا:
«ومن رحمته أعطاكم الليل والنهار لتستريحوا فيه وتسعوا فيه إلى رضاه؛ لو كنتم تشكرون». (28:73) ويقول:
«وهو الذي جعل البحر متاحاً لكم لتأكلوا منه لحماً طازجاً وتقتنوا منه زينةً ترتدونها — وانظر كيف تبحر السفينة فيه — ولتسعوا إلى رضاه، لعلكم تشكرون». (16:14) ماذا يريد الله في مقابل كل هذه العجائب؟ لا شيء سوى شكرنا، كما هو موضح في الكلمات التي تختتم بها جميع الآيات السابقة:
«لكي تتمكنوا من الشكر». كل واحدة من هذه النعم تستحق شكرنا بحد ذاتها، ناهيك عن حقيقة أن معظمنا يمنحها لأنفسنا. انظروا إلى كمال الخلق وجماله. كمال جميع العوالم، والعالم البحري وأنواعه، وجميع الحيوانات وخصائصها المختلفة، والانسجام الذي يحافظ على توازن كل شيء. انظروا إلى روعة الجسم البشري، منذ تكوينه من خليتين حتى يصبح جسماً مكتمل التكوين ومزوداً بصفات مذهلة. كيف ينشأ من جزيئات متناهية الصغر كائن حي كامل وضع الله فيه روحنا، جسد ذو وظائف متعددة لا تتوقف فيه أبدًا العمليات الكيميائية والفيزيائية التي تحافظ على حياتنا. تتحلل العناصر الغذائية ويتم امتصاصها في الأمعاء، ثم تنتقل إلى الدم وتصل إلى جميع خلايانا. وينطبق الأمر نفسه على الأكسجين الذي، بفضل نظام الضغوط التي تمارسها العضلات التنفسية، يصل إلى الرئتين ومن ثم إلى الهيموجلوبين في خلايا الدم الحمراء لدينا، والذي يتولى نقله إلى جميع خلايانا للحصول على الطاقة.
تذكروا أن النبي قال: «ساعة من التأمل خير من سنة من العبادة».
يذكر الله في عدة آيات من القرآن البصر والسمع والقلب. ويستحق كل واحد من هذه الأعضاء التأمل والدراسة فيما يتعلق بكيفية عمله، وهو أمر يؤدي حتماً إلى الاعتراف بالله خالقاً ومُرزقاً وإلى الشكر العميق.
ومع ذلك، فإن أعظم الهدايا هي نعمة حصولنا على هدايته، ووصول تعاليم نبيه إلينا، بحيث نتمكن من طاعته، ونتمكن من السجود أمامه بتواضع وإخلاص. أن نكون قد نلنا هداية تسمح لنا بالعيش من أجل الغرض الذي خُلقنا من أجله، وبالتالي في انسجام مع طبيعتنا في هذا العالم، والتي ستقودنا، برحمة الله، إلى الجنة.
******
الشكر هو الصفة التي يجب أن يتحلى بها كل إنسان إن أراد أن يستفيد من وجوده في هذا العالم. وهي مهمة جدًّا لنجاحنا ورفاهيتنا لدرجة أن عدو البشرية، الشيطان، يجعل من إعاقة هذه الصفة إحدى مهامه الرئيسية. في سورة الأعراف، يذكر الله كلام الشيطان قائلاً:
«ثم سأهاجمهم من الأمام ومن الخلف، ومن اليمين ومن اليسار، ولن تجد معظمهم شاكرين». (7:17) سيستخدم أي وسيلة متاحة له لمنعنا من أن نكون شاكرين. لذلك فإن أولئك الذين يتمتعون بالشكر حقاً هم في مأمن إلى حد كبير من حيله. لكنهم ليسوا كثيرين. يقول الله تعالى:
«قليلون هم عبادي الشاكرون». (34:13)
ولكن، ما هو هذا «الشكر»؟ وكيف يُعبِّر المرء عن امتنانه؟ في جوهره، الشكر هو الاعتراف بالنعم التي ننالها و الإدراك لمصدرها بكل حب وتواضع. ويتجلى هذا الشكر في القلب، وعلى اللسان، وفي الأطراف.
في القلب، يتجلى ذلك على شكل يقين مطلق بأن كل ما أنت عليه وكل ما تملكه وكل ما ستملكه هو من الله. ورد أن موسى سأل الله: «كيف استطاع آدم أن يشكرك على النعم العظيمة التي أنعمت عليها، حيث خلقتَه بيديك ، ونفخت الروح فيه مباشرة، وأمرت الملائكة أن يسجدوا له، وعلمته أسماء كل شيء؟” فأجاب الله: “كان يعلم أن تلك الأشياء مني. وكونه يعلم ذلك كان هو شكره”. وهذا العلم ينطوي على محبة الله، لأن الشعور بالحب تجاه من يفعل الخير بك هو انعكاس تلقائي، وكلما زاد الخير زاد الحب الذي يُبدي. يقول القاضي إياد في كتاب «الشفاء»: «الذات مهيأة بطبيعتها لمحبة ما يجلب لها الخير».
في الكلام، يتجلى الشكر من خلال ذكر النعمة والحمد، وتقديم الشكر لمن أعطاك إياها. وقد قال النبي :
«الحديث عن نعم الله هو شكر». الحديث عن الإسلام، والحديث عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وصفاته، والحديث عن الأولياء، والحديث عن الخيرات التي أنعم بها عليك ربك، كل ذلك هو شكر.
أفضل طريقة للتعبير عن الشكر لله باللسان هي ببساطة أن نقول «الحمد لله» في كل لحظة ممكنة. قال النبي:
«لا يوجد عبد يقول «الحمد لله» عندما ينال نعمة من الله، سواء كانت كبيرة أم صغيرة، إلا وأن الله يمنح ذلك العبد نعمة أخرى أفضل مما ناله». هذا فيما يتعلق بشكر الله، ولكن من المهم أيضًا ألا ننسى أبدًا أن نشكر الوسائل التي تصلنا من خلالها تلك النعم. بعبارة أخرى، الأشخاص الذين يفعلون الخير لنا، ويكونون كرماء معنا، ويهتمون بنا، ويحموننا، ويعلموننا، ويقدمون لنا أي خير بأي شكل كان. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«من لا يشكر الناس، فلا يشكر الله».
وأخيرًا، فيما يتعلق بالأطراف، يتجلى الشكر في طاعة الله. وبالنسبة لأهل الشكر، فإن عبادة الله ليست مجرد أمر يختارونه، بل هي أمر يحتاجون إلى القيام به. وأفضل مثال على ذلك هو رسولنا الذي غُفرت له جميع الذنوب الماضية والمستقبلية، ومع ذلك كان يقضي جزءًا كبيرًا من الليل في الصلاة. وعندما سألته عائشة، رضي الله عنها، عن سبب قيامه بذلك، أجاب: «ألا ينبغي أن أكون عبداً شاكراً؟».
أيها المسلمون، لا تدعوا أي فرصة تمر، مهما بدت صغيرة، دون أن تشكروا الله صراحةً وتسبحوا بحمده، ودون أن تشكروا الناس. أظهروا علانية وأعربوا عن الفرح الذي يستحقه تقدير هذه النعم، بدءًا من هداية الإسلام، وصولًا إلى رائحة العطر أو سماع صوت أحد الأحباء.
«إذا كنتم شاكرين، فسأعطيكم أكثر من ذلك». (14:7)
نسأل الله أن يجعلنا جميعًا عبيدًا شاكرين. نسأل الله أن يمنحنا ألسنةً لا تفتأ ترنم بحمده وشكره، وقلوبًا لا تفتأ تمتلئ بالامتنان والرضا، وأطرافًا لا تتحرك إلا طاعةً له.
Español

