البحث عن المعرفة

الحمد لله الذي خلق الإنسان، وعلمه البلاغة، وعلمه ما لم يكن يعلمه، وأخرجه من ظلمات الجهل إلى نور العلم. الذي جعل دين الإسلام دين العلم والمعرفة والتعلم. لذلك، بدأت رسالة الإسلام بالأمر بالقراءة. قال الله تعالى: «اقرأ». لم يبدأ الأمر بالصيام أو الصلاة، بل كان في المقام الأول بالسعي وراء العلم، لأن العبادة لا تتحقق إلا من خلال العلم، ولا يُعبد الله بالجهل.

الحياة بدون معرفة هي حياة مظلمة، حياة بائسة. قال أحد الغنوصيين: «الحياة بدون معرفة هي حياة مستهجنة، والمعرفة بدون رحمة هي مضيعة للكلمات». ولذلك، فإن رسالة الإسلام تتطلب التعلم، والفقه، والتأمل، والتفكير، والتوق. «أم هل تتوقع أن يستمع معظمهم أو يفهموا، وهم ليسوا إلا كالماشية، بل هم أبعد عن الطريق ضلالاً؟». ووعد بالنار أولئك الذين يعطلون أدوات الفقه والتعلم قائلاً: «لقد خلقنا لجحيم كثيرًا من الجن والإنس. لديهم قلوب لا يفهمون بها، وأعين لا يرون بها، وآذان لا يسمعون بها. إنهم كالماشية، بل هم أضلّ من ذلك في ضلالهم. أولئك هم الغافلون».

إن الشكر على هذه الأعضاء هو استخدامها في اكتساب العلم وتوظيفها لمصلحة الناس والمجتمع، كما يقول الله تعالى في القرآن الكريم: «أخرجكم الله من بطون أمهاتكم وأنتم لا تعلمون شيئًا. وأعطاكم السمع والبصر والقلب لتشكروا». لقد أنعم الله عليك بهذه الأعضاء وترك لك حرية الاختيار، لذا فهي نعمة لمن يستخدمها في الخير وخسارة لمن يستخدمها في الشر. فالحكيم يستخدمها في الخير، والجاهل يستخدمها في الشر، لذا ستشهد عليه يوم الحساب.

أيها المؤمنون! السعي وراء العلم هو طريق يؤدي إلى الجنة. إنه يؤدي إلى رضا الله عز وجل. قال رسول الله: «من سار في سبيل العلم، ييسر الله له الطريق إلى الجنة». العلم نور والجهل ظلام، فالأمة بالعلم تتقدم وتزدهر، وبالجهل تتراجع وتتخلف وتنتكس. قال الله تعالى، مجداً، ممدحاً الباحثين عن العلم: «سيُرفع الله درجةً منكم الذين آمنوا والذين أُوتوا العلم. إن الله عليم بما تعملون»، وموبخاً الجاهلين: «ولا تكن من الجاهلين».

على كل أب وكل أم أن يوجهوا أبناءهم إلى السعي وراء العلم الذي ينفعهم في الدنيا والآخرة. فمن أراد الدنيا فليطلب العلم، ومن أراد الآخرة فليطلب العلم. إنه كنز باقٍ، وسلاح لا ينضب، وينبوع لا يجف. اعلموا أيها الآباء والأمهات أنكم مسؤولون أمام الله عن حقوق أطفالكم. قال صلى الله عليه وسلم: «كل واحد منكم راعي، وسيُسأل كل واحد عن رعيته». تربية الأبناء أمانة على عاتق الآباء. والشكر على هذه النعمة يتجلى في التربية الحسنة. وبذلك يتركون ذرية صالحة بعد وفاتهم. وسيكون الابن والابنة صدقة مستمرة، تصل أجرُها إليك في قبرك حتى يوم القيامة.

فتحت المدارس أبوابها، وكذلك تفتح المساجد أبوابها أمام الشباب، لمن يرغبون في الجمع بين هذين الأمرين الجيدين: التعليم في المدارس وتعليم الدين في المساجد، لتغذية الروح والجسد.

وكما يهتم الآباء بتعليم أبنائهم في المدارس، فعليهم أن يهتموا بتعليمهم في المسجد؛ فمثلما للأطفال واجبات مدرسية، فهم لديهم واجبات في المسجد أيضًا، مثل حفظ القرآن، وتعلم لغة الدين، ولغة القرآن، ولغة الجنة، ولغة خير الخلق، محمد صلى الله عليه وسلم. وكل مسجد لا ينظم حلقات علم فهو مسجد خامل. فالمسجد لم يُبنى فقط للركوع والسجود، بل أيضًا لتعليم الأطفال المسلمين، ودراسة القرآن والسنة، وإصلاح المجتمع. ماذا دها بعض الآباء الذين لا يهتمون بالدروس التي يقدمها المسجد ويعتبرونها أمرًا ثانويًا؟ سواء كانت موجودة أم لا، لا يهمهم الأمر! هذا خطأ تربوي يجب تصحيحه. قال صلى الله عليه وسلم: «من أراد الله له الخير، أعطاه فقهًا في الدين».

يا الله، ازل عنّا الجهل، وافتح عقول أبنائنا وبناتنا، ونور عقولهم، واحفظهم من شياطين البشر والجن، وامنحهم العلم النافع، وقلباً متواضعاً، ولساناً يذكر الله.